عبر طرقات متعرجة من الماء، يقودك «لوكا» سائق القارب من مطار ماركو بولو نحو فندق غريتي التاريخي في البندقية، حيث يقف بناء عمره أكثر من خمسمئة عام، يقاوم الغرق، بناء يشبه طراز البندقية، المدينة التي فتنت العالم بقنواتها المائية وساحاتها الكبيرة وجسورها التي أطل منها العشاق.

المدينة التي كتب عنها شكسبير أجمل مسرحياته، من منا لا يذكر «تاجر البندقية» التي تحولت إلى عشرات الأفلام والأعمال الدرامية، وهي تمجد الصداقة والإخلاص والحكمة، مدينة ملهمة، أعطت العالم الكثير من جمالها وروحها الساحرة، مثلما أعطت إيطاليا الشغف لزوارها، ويظل شكسبير شاهداً عبر رائعته الخالدة «روميو وجولييت»، التي تدور وقائعها في فيرونا، إحدى مدن إقليم فينيسيا.

العرب أسموها «فينيسيا» البندقية لأسباب تبدو غير واضحة، وتتعدد مسميات المدينة في كل ثقافة من منظور مختلف، والسبب هو غناها الفني وعراقتها، فالمدن التي لها أكثر من اسم في التاريخ تزداد غنى ثقافياً وسمعة حسنة، وفينيسيا إحداها، فهي «مدينة المياه»، و«مدينة الجسور»، و«مدينة الضوء»، و«ملكة البحر الأدرياتيكي»، وغيرها من الأسماء، التي تمجد الـ 118 جزيرة، والتي تتكون منها المدينة.

في ساحات فينيسيا تسكن أساطير منحت العالم خصوصية وفرادة، هنا عاش العاشق الشهير دون جوان، وهنا أيضاً الرحالة الأشهر ماركو بولو، والموسيقار أنطونيو فيفالدي، وغيرهم من الرسامين والمعماريين والشعراء الملهمين، حيث تجد آثارهم في المتاحف، وذكراهم في الطرقات والساحات، ولا تخلو صالة فندق من أثر أو ذكرى لعظماء المدينة.

إنها فينيسيا، التي يمكنها أن تبقيك عاشقاً طيلة رحلتك، خاصة تلك الساعات التي تمضيها على الجندول (قارب محلي صغير للنزهات)، وأنت تصغي لمغنٍ يقف في مقدمة القارب، يسمعك من الأوبرا الخالدة؛ ما لا يمكنك نسيانه، إنها البندقية.. المدينة التي لا تنسى.