عندما تتراجع قيم ثقافية كانت اللغة حاملاً لها، تحتاج إلى من يدفع شراعها نحو الشاطئ الآمن، وشواهدنا كثيرة على ذلك؛ فلم يعد الشعر ديواناً للوقائع، مثلما هو حال الرواية التي تكتب بكثرة هذه الأيام؛ رواية تعوزها اللغة لترتقي من مصاف الحكي إلى مصاف الفن، وبين أيدينا روائع نجيب محفوظ أو توفيق يوسف عواد أو حنا مينا، روائع تعزز اللغة وتنشأ منها اشتقاقات وتضيف إليها وتغنيها، روايات لم يقرأها جيل من الشباب يصنفون كتابتهم في خانة الرواية، في حين أن الرواية بعيدة عنهم، ولا توجد منها سوى تلك الكلمة التي يضعونها على الغلاف "رواية".

أليس من المجحف بحق الذات أن يكتب شاب ناشئ رواية وهو لم يقرأ "البؤساء" أو لم يعرف "الحرب والسلام" ولا فكرة لديه عن "الإخوة الأعداء"!

والإجحاف الأكبر نشر تلك الكتب تحت صنف «الرواية»، ومن ثم الحديث عنها في المحافل الثقافية ونقدها وتدبيج كلمات المديح بحق كاتبها. إنها ثقافة الاسترخاء والاستسهال والاستعجال التي أفرزت جوقة من الكتاب يخاصمون أدب الإنسانية، ويصرون على صناعة التاريخ الابداعي من خلف شاشات صغيرة قطعتهم عن العالم.