في متحف النحات والرسام الفرنسي "أوغست رودان" يقف المرء حائراً وسط مجموعة هائلة من التماثيل المنحوتة بدقة وينتظر طويلاً ليحظى بنظرة فاحصة وسط طابور من زوار المتحف الذين يتوافدون من حول العالم للتمتع بمشاهدة أعظم نحاتي العصر الحديث، حيث يعد أوغوست رودان (1840 ـ 1917) أحد رواد فن النحت خلال القرن التاسع عشر ولايزال واحدا من عدد قليل من النحاتين المعترف بهم على نطاق واسع. وتُعد أعماله الفرنسية أمثلة للأنواع الانطباعية في النحت ولعل أبرزها تمثال المفكر الذي يعرض في اللوفر.

قلت لصديقي خلال جولتنا في المعرض: هل تعلم أن دبي اختتمت منذ أيام سمبوزيم دولي للنحت شارك فيه مجموعة من أبرز النحاتين واستمر لأسبوعين تقريباً وأسفر عن جملة أعمال فنية غاية في الروعة، قال صديقي: الأفكار الكبيرة يخلدها التاريخ والنحت من أبرز علامات الحضارة البصرية التي يتركها الأجداد للأحفاد.

وسرحنا بأفكارنا بعيداً متأملين عبقرية رودان وكأننا تذكرنا للحظة مشتركة أن جهلة من زمن الظلام قطعوا رأس تمثال الشاعر والفيلسوف أبوالعلاء المعري خلال برنامج منظم للتدمير يقوده الجهلة للانتقام من الحضارة التي تركها لنا الأجداد، تلك الحضارة التي تعد ثروة وطنية روحية ترعاها وتحفظها الأمم العظيمة وتسعى إليها الدول الناهضة، بينما يقوم الجهلة بتحويلها إلى ركام.

زيارة متاحف الفن تقرب المسافة بين البشر ليفهموا فكرة واحدة ماثلة أمامهم هي مزيج من الجمال والعبقرية، وما تلك الطوابير التي تصطف أمام باب متحف رودان إلا تجسيد لقيمة الفن في المجتمع الذي يرتقي بالذائقة ويهذب المشاعر، طوابير جاءت من حول العالم لتقف بصمت وإعجاب أمام عباقرة الفن الخالد، طوابير لديها فكرة راسخة أن الحضارة مفردات متناثرة في التاريخ تجتمع في جغرافية صغيرة لتصبح عملاً خالداً.