مرت مياه كثيرة تحت جسور أنهار الدنيا منذ التقيت لآخر مرة بالصديق ياسين سعيد نعمان، ولكي أكون دقيقاً فإننا لم يُقدَّر لنا اللقاء منذ تخرجنا معاً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1971، حيث مضى إلى بلده للانخراط في العمل العام، ثم انطلق إلى أوروبا الشرقية للحصول على درجة الدكتوراه، في حين مضيت ــ شأن أبناء جيلي جميعاً ــ للخدمة في صفوف الجيش المصري قرابة عقد من الزمان.
ينتمي ياسين سعيد نعمان إلى شريحة من رجال السياسة في عالمنا العربي قد تختلف معهم، ربما إلى حد التناقض، لكنك لا تملك إلا أن تحترم إخلاصهم لوطنهم واستعدادهم للتضحية من أجله حتى نهاية المطاف.
وهو قد دفع ثمن الانخراط في العمل السياسي في زمن صعب كاملاً، فوخط الشيب مفرقه في صدر العمر، وتعرض لمحاولات اغتيال عدة، وعرف مرارة النفي بعيداً عن الوطن لفترة ليست بالقصيرة.
لم يغب عني قط اهتمام ياسين سعيد نعمان بالأدب منذ مرحلة مبكرة من عمره، فلطالما تسابقنا لحضور الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية في قاهرة أواخر الستينات وأوائل السبعينات، التي كانت تموج بالحراك الفكري والأدبي والفني.
لكنني أعترف بأنني قد فوجئت، وسعدت كثيراً، عندما أصدرت مجلة «الرافد» رواية ياسين سعيد نعمان الثانية «جمعة ذات الأسماء الخمسة» أخيراً.
في هذا العمل يطل علينا ياسين سعيد نعمان روائياً تكاملت له أدوات الإبداع الروائي، وتحوّل النثر بين يديه إلى أداة استحضار فائق لأجواء الواقعية السحرية، حيث نعيش حياة بطلة الرواية التي منحت العمل اسمها عنواناً، لنطل على نموذج فريد لاغتراب المرأة العربية في زمن حافل بأشكال الضغوط والقهر.
كلي أمل في أن تصبح هذه السطور دعوة للقراء لقراءة هذا العمل البديع والوجيز في آن. ومن يدري، فقد ألتقي مؤلفه يوماً قبل غروب شمس العمر.