هل بات مشهداً مألوفاً أن ترى مستخدمي مترو دبي يقرؤون كتاباً خلال رحلتهم كما هو الحال في مترو باريس أو لندن أو غيرهما، حيث نادراً ما نجد راكباً بلا كتاب حتى لو كانت رحلته قصيرة، بعضهم يقرأ واقفاً لأن "المترويات" شديدة الازدحام في أوروبا، وبعضهم يجلس في ممرات العربات، وفريق ثالث يقرأ بشكل حميمي وهو جالس في الأحضان.
طيلة أشهر الشتاء الماضي عَمدتُ إلى استخدام المترو في الذهاب إلى العمل والعودة منه، وقد لفت نظري تزايد أعداد قارئي الكتب في المترو، وسجلت ملاحظتين جديرتين بالانتباه: أن معظم حاملي الكتب من الجنس الناعم أولاً، وثانياً تشكل الملامح الآسيوية (الفلبينية) القاسم المشترك للقارئات، فضلاً عن أن معظم الكتب هي روايات لكتاب معاصرين أمثال دارين شان ونيكولاس سباركس وستيفان كينغ.
مشاهدة الناس يقرؤون في المترو دليل تقدم حضاري للمجتمعات، لذلك راقني مشهد فتاة إماراتية في مقتبل العمر، واقفة في العربة الذهبية تقرأ رواية "كوخ العم توم" باللغة العربية، فقدمت لها مقعدي، فشكرتني بلطف بالغ، فأردفتُ قائلاً: إن القراءة ممتعة قرب النافذة وخاصة مع هيريت بيتشر ستو (مؤلفة الرواية)، كما أنني سأنزل في المحطة التالية، فشكرتني ثانية وتابعتْ القراءة جالسة.
مشهد الفتاة القارئة يحدث فارقاً أكيداً في عجلة دوران المجتمع نحو المعاصرة، ويشجع أخريات على سلوك حضاري مشابه، حيث تمضي الكثير من الأسر الإماراتية صيفها في البلاد الباردة، وهناك الكثير من العادات الحميدة التي يمكن للمرء أن يلتقطها وتعود عليه بالفائدة، والقراءة في وسائل النقل العامة إحدى تلك العادات التي يتعزز حضورها محلياً يوماً تلو آخر.
إذن، هل بات من المألوف مشاهدة الناس يقرؤون في المترو؟ أقول؛ نعم لقد لمست ذلك خلال رحلاتي في مترو دبي، وأزيد أن نظافة العربات وهدوءها يمنحان القارئ ميزة إضافية لممارسة هذه العادة، التي بدأت تأخذ طريقها نحو تحولٍ عصري إيجابي في المجتمع المحلي سيؤتي أُكله لاحقاً.