تعاني الولايات المتحدة من مشكلة تتعلق بالإنتاجية، وإن كان من المستحيل أن ندرك هذا أبداً بمجرد النظر إلى الصناعات التي تُـنـتِـج السلع والخدمات المتداولة على المستوى الدولي.

ولأن هذه السلع والخدمات لا تشكل سوى ثلث الناتج المحلي الإجمالي وتمثل ما يزيد قليلاً على 20 % من تشغيل العمالة، كما هي الحال عادة في الاقتصادات المتقدمة، فمن المهم أيضاً أن نضع في الاعتبار القطاع غير القابل للتداول الذي يؤلف الثلثين المتبقيين من الاقتصاد.

يشمل القطاع القابل للتداول في الاقتصاد الزراعة، وزراعة الغابات، وصيد الأسماك، والتصنيع، وإنتاج السلع، إما كمنتجات نهائية أو وسيطة.

والذي شكل في عام 2021 ثلث القيمة المضافة القابلة للتداول. يضم القطاع القابل للتداول أيضاً الخدمات مثل مشاريع البحث والتطوير، والاستشارات، والمعلومات، وقسم كبير من التمويل. في مجموعها، تمثل الخدمات نحو ثلثي القيمة المضافة القابلة للتداول ــ وهي الحصة التي تزايدت خلال العقدين الأخيرين.

تُحـسب القيمة المضافة لأي شركة أو صناعة عن طريق طرح المدخلات الـمُـشـتراة مثل الطاقة والمنتجات الوسيطة، مع استثناء العمل ورأس المال، من إجمالي المبيعات بالدولار. ومن الممكن فهمها على أنها القيمة الناشئة عن الجمع بين العمل ورأس المال. ثــم تُـسـجـل هذه القيمة كدخل للعمالة (لتشكل الحد الأعلى لمتوسط تعويض الموظفين في القطاع) وعوائد لأصحاب رأس المال.

وعلى هذا فإن القيمة المضافة عن كل موظف تشكل مقياساً لإنتاجية العمل. وفي القطاع القابل للتداول في أمريكا، ارتفعت بشكل مطرد على مدار العقدين الأخيرين في كل من التصنيع والخدمات، لتصل في عام 2021 إلى ما يقرب من 185 ألف دولار (بقيمة الدولار في عام 2012).

وفي تلك الفترة بلغ نمو الإنتاجية في هذا القطاع ما يقرب من 3 % في المتوسط. لو صَـح ذلك في الجزء غير القابل للتداول من الاقتصاد، بما في ذلك قطاعات العمالة الضخمة مثل الحكومة، والرعاية الصحية، وتجارة التجزئة التقليدية، ومرافق الراحة والترفيه والإقامة، وخدمات الطعام، والتعليم، والبناء فلن يجد أحد سبباً للقلق بشأن الإنتاجية.

لا توجد طريقة مناسبة لقياس إنتاجية الحكومة، لأن الأسواق لا تحدد سعر القيمة المتولدة عن الخدمات التي لا تُـبـاع في عموم الأمر. ولأغراض المحاسبة، تُـقـاس القيمة المضافة للحكومة بتكاليف العمل ورأس المال، على افتراض أن آليات الاختيار الجماعي الديمقراطية ستزيل الخدمات التي تتجاوز تكلفتها الفوائد المتصورة.

لكن هذا النهج لا يقدم لنا رؤية واضحة للإنتاجية: فحقيقة أن القيمة المضافة عن كل موظف حكومي تنامت ببطء شديد بنحو 0.25 % في المتوسط على مدار عقدين من الزمن تعني أن تكاليف العمل ورأس المال نَـمـت في المتوسط بذات وتيرة نمو تشغيل العمالة تقريباً.

ولكن في بقية أجزاء الاقتصاد غير القابل للتداول، يمكننا قياس نمو الإنتاجية، وستكون النتائج استناداً إلى البيانات الخاصة بكل صناعة من مكتب التحليل الاقتصادي لتشغيل العمالة والقيمة المضافة الحقيقية مختلفة تماماً عن الصورة القابلة للتداول وبعيدة كل البعد عن كونها وردية: 0.57 % فقط سنوياً على مدار السنوات العشرين الأخيرة. ويعكس هذا مستويات إنتاجية أقل من المتوسط، وفي أغلب الحالات نمو إنتاجية منخفض إلى متوسط في قطاعات تشغيل العمالة الضخمة.

على سبيل المثال، في عام 2021 وظف قطاع الضيافة 12 مليون شخص، فكانت القيمة المضافة لكل موظف في هذا القطاع 41355 دولاراً أقل من ثلث المتوسط الوطني البالغ 130 ألفاً وكان نمو الإنتاجية 0.26 %.

ويوظف قطاع الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية 20 مليون شخص، بقيمة مضافة لكل موظف تبلغ 73624 دولاراً ومعدل نمو إنتاجية يبلغ 0.71 %. وفي قطاع البناء، كانت الأرقام 7.6 ملايين موظف، بقيمة مضافة 87425 دولاراً، وكان معدل نمو الإنتاجية 1.21 % بالسالب.

لم تكن الفجوة بين القطاعات القابلة للتداول وغير القابلة للتداول كبيرة دائماً. بل على العكس من ذلك، كما يوضح الرسم البياني، كانت إنتاجية العمل نحو 100 ألف دولار عبر قطاعات الاقتصاد جميعاً في عام 1998. ولكن بحلول عام 2021، بعد أكثر من عقدين من الزمن من التباعد المطرد، كانت القيمة المضافة لكل موظف في القطاع القابل للتداول ضعف المستوى في القطاع غير القابل للتداول تقريباً.

بحكم التعريف، لا يوجد عرض أو طلب خارجي في القطاعات غير القابلة للتداول، وبالتالي لا توجد منافسة خارجية أو تخصيص. ولهذا، يجب أن يجري إمداد هذه القطاعات من قِـبـل كيانات داخلية أو حتى محلية. الأمر ببساطة أن جانبي العرض والطلب يجب أن يتطابقا.

مع ذلك، تعاني أجزاء عدة غير قابلة للتداول من الاقتصاد بما في ذلك كل الأجزاء ذات العمالة الضخمة من نقص في العمالة. يرجع هذا جزئياً إلى عوامل مثل الإجهاد، وقضايا تتعلق بالسلامة، والتعويضات المنخفضة، والافتقار إلى المرونة.

والتي تدفع العمال بعيداً عن هذه الوظائف. لكن فجوات المهارة تلعب أيضاً دوراً في هذا الصدد. وعلى هذا فإن إزالة الحواجز التي تحول دون اكتساب المهارات العالية المستوى والدخول المرتفعة تشكل عنصراً حاسماً في أي أجندة للتحول البنيوي.

لن ينخفض الطلب على خدمات الرعاية الصحية، والضيافة، والبناء. لذلك، قد تؤدي القيود المفروضة على المعروض من العمالة إلى ارتفاع الأجور والأسعار، وزيادة الدخول وإنتاجية العمل القابلة للقياس إلى حد ما. ولكن يجب بذل المزيد من الجهد لتعزيز نمو الإنتاجية في القطاعات المنخفضة الإنتاجية، وبالتالي تخفيف قيود العرض، التي من المنتظر أن تؤدي الشيخوخة السكانية إلى تفاقمها.

كانت التكنولوجيات الرقمية من المحركات المهمة لنمو الإنتاجية في صناعات سريعة التوسع. ونظراً للاختراقات الحديثة في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي، تتوفر كل الأسباب التي تحملنا على الاعتقاد بأن هذه الحال ستستمر.

لكن التقدم في قطاعات الخدمات والتصنيع الرفيع المستوى وحده لن يكون كافياً. بل يجب تطبيق هذه التكنولوجيات القوية أيضاً في أقسام الاقتصاد ذات القيمة المضافة المنخفضة، والأجور المنخفضة، ونمو الإنتاجية المنخفض.

نظراً للقيود المفروضة على المعروض من العمالة والصدمات الاقتصادية المرتبطة على سبيل المثال بتغير المناخ والعوامل الجيوسياسية فإن الحجة لصالح التدخلات المعززة للإنتاجية واضحة.

ما لم يستخدم صناع السياسات خليطاً من الاستثمار والحوافز لعكس اتجاهات الإنتاجية السلبية، فستحقق الولايات المتحدة نمواً متواضعاً في أفضل تقدير. والأسوأ من هذا أن النمو الذي ستتمكن من تحقيقه سيكون شديد التفاوت، وسيُـسـتَـبـعـد كثيرون من الحصول على فوائده.

* حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد.

** أستاذة مساعدة بعلوم الاقتصاد في جامعة دينيسون.