أظهرت الانتخابات الأخيرة في السويد وإيطاليا أن الشعبوية اليمينية لا تزال في صعود بمختلف أنحاء أوروبا.

لم يكن الأمر كذلك في ألمانيا، حيث حقق حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف نجاحاً متواضعاً حتى الآن.

أحد التفسيرات المحتملة لمقاومة ألمانيا للطفرة الشعبوية، أن العولمة لم تلعب سوى دور ثانوي فقط في صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، على عكس الأحزاب اليمينية المتطرفة التي اكتسبت مساحة على الأرض في أماكن أخرى في أوروبا.

أصبح الحزب قوة انتخابية بعد فترة طويلة من بلوغ العولمة ذروتها في ألمانيا، وكانت نجاحاته مقتصرة في الأغلب الأعم على ولايات ألمانيا الشرقية السابقة.

قبل ظهور حزب البديل من أجل ألمانيا في عام 2013 بصفته حزباً مناهضاً لليورو ومعادياً لخطة إنقاذ اليونان، لم تشهد ألمانيا صعود أي حركة شعبوية يمينية ناجحة.

يعكس المسار السياسي الذي اتخذه حزب البديل من أجل ألمانيا شعبيته في شرق ألمانيا، حيث فاز الحزب بنسبة 27.5 % وبنسبة 23.5 % في ساكسونيا وبراندنبورج على التوالي ــ ما يقرب من ضعف حصته في ولايات ألمانيا الغربية.

تمتد جذور هذا التفاوت إلى الفترة التي سبقت إعادة توحيد شطري البلاد في عام 1990، عندما حررت حكومة ألمانيا الغربية التجارة مع ألمانيا الشرقية بين عشية وضحاها.

تحول المارك الألماني الشرقي إلى المارك الألماني بمعدل واحد إلى واحد، مما أدى إلى ارتفاع الأجور في الشرق إلى 70 % من الرواتب في ألمانيا الغربية، حتى برغم أن الإنتاجية في ألمانيا الشرقية كانت تعادل 30 % فقط من نظيرتها في الغرب.

نتيجة لهذا، أفلس قطاع التصنيع في ألمانيا الشرقية على الفور تقريباً.

كانت إعادة توحيد شطري ألمانيا، التي تشكلت من خلال رواية خاطئة مفادها أن الألمان الشرقيين «ليس لديهم ما يبيعونه» في اقتصاد السوق، بداية تفكيك التصنيع في ألمانيا الشرقية، وقد أدى هذا ليس فقط إلى خسارة الوظائف بل وأيضاً فقدان جماعي لتقدير الذات. وأفضى تدهور مستويات المعيشة، وحالة السخط الناجمة عن ذلك، إلى تمكين اليمين المتطرف.

لكن العولمة في حد ذاتها لم تلعب دوراً رئيسياً في طفرة حزب البديل من أجل ألمانيا في الشرق.

أصبحت ألمانيا الشرقية اقتصاداً مغلقاً بحكم الأمر الواقع بعد سقوط سور برلين، مع تعرض طفيف للتجارة الدولية أو الهجرة. ولعل هذه النزعة الإقليمية أسهمت في تضخيم المشاعر المعادية للمهاجرين.

حيث تبين بوضوح أن التفاعل القليل مع الأجانب يشجع على كراهيتهم. على سبيل المثال، وجدت دراسة من عام 2017 أن ارتفاع كثافة اللاجئين كان مقترناً دائماً بحصة تصويت أقل لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا.

سبب آخر وراء عدم تعرض ألمانيا لردة الفعل العنيفة المناهضة للعولمة ذاتها كتلك التي شهدتها الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المرتفعة الدخل، أنها لم تشهد الدمار الاقتصادي ذاته.

كان لـ«صدمة الصين» التي أعقبت قبول الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية في عام 2001 تأثير عميق على الوظائف والأجور في الولايات المتحدة، وخصوصاً بين العاملين في قطاع التصنيع، فأدى ذلك إلى انحدار فرص العمل في التصنيع، وساهم في انتخاب الرئيس السابق دونالد ترامب في عام 2016. من ناحية أخرى، لم تتأثر سوق العمل الألمانية بالطريقة ذاتها بطفرة الصادرات الصينية.

كان أداء الاقتصاد الألماني أفضل من بلدان متقدمة أخرى لأن الـمـصـنعين المحليين واجهوا منافسة أقل من الواردات الصينية، التي ازدادت بنسبة 14 % خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2010، مقارنة بنحو 25 % في الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، كانت الواردات الألمانية من الصين في الأغلب من السلع التي كانت تستوردها ألمانيا سابقاً من أسواق أخرى منخفضة التكلفة، مثل المنسوجات، ما تسبب في خسارة الوظائف في بلدان مثل اليونان وتركيا، ولكن ليس في ألمانيا.

كما عـوضت عن التأثير المترتب على ارتفاع الواردات الصينية طفرة الصادرات الألمانية إلى أوروبا الوسطى والشرقية، والتي أسفرت عن زيادة في تشغيل العمالة في قطاع التصنيع.

أخيراً، شهدت ألمانيا زيادة حادة في الصادرات إلى الصين، فعوض ذلك عن نمو الواردات الصينية. الواقع أن الصادرات الألمانية إلى الصين تضاعفت تقريباً بعد الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008، بسبب الطلب بين شركات التصنيع الصينية والطبقة المتوسطة المزدهرة في الصين على الآلات والمواد الكيميائية والسيارات الألمانية.

لكن عوائد هذه الزيادة في التجارة كانت موزعة بشكل غير متساو. وأدى توسع شبكات الإنتاج إلى أوروبا الوسطى والشرقية، حيث كانت العمالة أرخص، إلى انخفاض بنسبة 30 % في تكاليف وحدة العمل الألمانية خلال الفترة من 1995 إلى 2012.

كانت ألمانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تشهد مثل هذا الانخفاض، مع تسبب تهديد نقل التصنيع إلى الخارج إلى جاراتها الشرقية في تحويل توازن القوى بين النقابات العمالية وأرباب العمل، ما أفضى إلى تفكيك مركزية المساومة على الأجور وإضعاف العمل المنظم.

* أستاذ الاقتصاد الدولي في كلية الإدارة في جامعة ميونيخ الفنية وزميلة أبحاث في مركز بحوث السياسات الاقتصادية