عندما ألقت جورجيا ميلوني أول خطاب لها أمام مجلس النواب الإيطالي في الخامس والعشرين من أكتوبر، لم يكن المرء ليعرف ما يفهم بالتحديد. الواقع أن ميلوني، واحدة من المعجبين ببنيتو موسيليني سابقاً والناشطة الفاشية أثناء سنوات المراهقة، والتي يقود حزبها «إخوان إيطاليا» الائتلاف الحاكم الجديد، تفرض الآن سلطانها على الطبقة السياسية المضمحلة في بلد يعاني من شيخوخة سكانية. تُـرى كيف تعتزم أول رئيسة وزراء في إيطاليا (وفي سن الخامسة والأربعين، إذ تُـعَـد الثانية بين أصغر رؤساء وزراء إيطاليا سناً)، والتي نشأت في حي خشن في روما، حُـكـم دولة تشتهر بِـضَـعف الحراك الاجتماعي وصاحبة ثاني أقل معدلات توظيف الإناث في الاتحاد الأوروبي؟

أطلقت ميلوني على نفسها وصف «المستضعف غير المتوقع الذي قلب التوقعات»، مضيفة، «وأنا أخطط لفعل ذلك مرة أخرى». لكن كما هي الحال دوماً مع ميلوني، يدور الأمر كله حول ما يختار الرائي أن ينظر إليه.

أظهر أول مرسوم صادر عن حكومتها الهوة بين خلفيتها الثقافية والسياسية وما يمكن أن تحققه في ديمقراطية دستورية. يُـقـال إن هذا المرسوم، بغرض منع الحفلات الصاخبة، جعل التجمعات غير المصرح بها لأكثر من خمسين شخصاً عُـرضة للعقاب بالسجن لمدة تصل إلى ست سنوات إذا اعتُـبِـرَت «خطيرة». وسوف تجبرها الاحتجاجات العنيفة التي أعقبت ذلك، حتى في أجزاء من أغلبيتها الحاكمة، على التراجع.

تبدو كل المفردات والإشارات التاريخية التي تستخدمها ميلوني وكأنها منتزعة من عصر آخر: فالآن تحل ألفاظ مثل «الأمة» و«الوطن الأم» محل «الدولة»؛ وتعني كلمة «الوطني» الآن في نظرها ونظر مؤيديها ما قد يسميه آخرون «شوفيني يميني»؛ وعلى نحو مفاجئ، يُـنـفَـض الغبار عن عبارة «توحيد إيطاليا» التي ترجع إلى منتصف القرن التاسع عشر، لكي تحل محل حركة المقاومة الإيطالية، وهي الانتفاضة الشعبية المناهضة للفاشية التي ساعدت على هزيمة موسيليني وألمانيا النازية خلال الفترة من 1943 إلى 1945، باعتبارها الأسطورة الوطنية التأسيسية.

بينما تخلق رئيسة وزراء إيطاليا الانطباع بأن الأرضية السياسية والثقافية تتغير، فإنها تدرك أيضاً أنها غير قادرة، مالياً وسياسياً، على تحمل تكلفة تغيير مسار إيطاليا المؤيد للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وهي لهذا تحاول أن تبدو ثورية وتقليدية في ذات الوقت، مصححة ميولها السابقة. في عام 2018، هنأت فلاديمير بوتن على فوزه «الجلي» في الانتخابات الرئاسية في روسيا. وحتى يونيو 2021، كانت لا تزال تتساءل حول الحكمة من التمسك باليورو.

ولكن بمجرد حصولها على التفويض الرسمي لحكومتها، أشارت إلى استمرارية كثير مما كانت تمثله حكومة رئيس الوزراء السابق ماريو دراجي التكنوقراطية. وقد أقسمت بالتحالف الغربي ووعدت بمواصلة دعم أوكرانيا. كما تعهدت بالعمل «في إطار المؤسسات الأوروبية... ليس لإفشال مشروع التكامل الأوروبي، بل لمساعدته على أن يصبح أكثر فعالية في مواجهة أزمات اليوم والتهديدات الخارجية». انتقدت ميلوني علناً إحكام السياسة النقدية من قَـبَـل البنك المركزي الأوروبي، لكنها تعهدت بالالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي لأن، كما أعلنت، «الدولة التي تحترم القواعد بشكل كامل هي فقط التي تمتلك السلطة الكافية للمطالبة بأن تكون تكلفة الأزمة الدولية موزعة بالتساوي بدرجة أكبر».

إن لعبة التوازن التي تمارسها ميلوني شاقة ومُـنهِـكة، وإشارتها إلى أوكرانيا توحي بأن الحرب اختبار حاسم. وعندما تقول إن تكلفة «الأزمة الدولية» يجب أن تكون «موزعة بالتساوي بدرجة أكبر»، فإنها تشير إلى أن إيطاليا ربما تطالب بتعويضات عن التضحيات الاقتصادية المترتبة على تنفيذ العقوبات ضد روسيا. لكن غرضها الحقيقي هو تحقيق المستحيل المتمثل في إيجاد التوازن داخل تحالفها اليميني وقاعدتها الانتخابية.

الواقع أن شريكيها في الحكومة، ماتيو سالفيني من حزب الرابطة وسيلفيو بيرلسكوني من حزب فورزا إيطاليا، كانا أشد تأييداً لروسيا بشكل علني. عندما كان بيرلسكوني رئيساً للوزراء، وقعت شركة غازبروم عقوداً ضخمة طويلة الأجل مع إيطاليا، بما في ذلك عقد مهم أبرم عام 2005 مع شركة لم يكن لديها أي خبرة سابقة في صناعة الغاز، لكنها كانت مملوكة لأحد أصدقاء أسرة بيرلسكوني. أما عن سالفيني، فقد كان حزبه مرتبطاً لفترة طويلة بحزب روسيا الموحدة بشراكة رسمية، وهناك تسجيل لحليف مقرب من سالفيني يناقش صفقات مالية في موسكو في عام 2018.

نأت ميلوني بنفسها عن مثل هذه التشابكات وكررت التأكيد على دعمها لأوكرانيا، لكنها يجب أن تعرف أن أنصارها ليسوا معها في هذه القضية. وفقاً لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة إبسوس، فإن 12% من ناخبي حزب «إخوان إيطاليا» ينحازون لروسيا ــ وهي أعلى نسبة لأي حزب.

من المؤكد أن ميلوني تتطلع إلى الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2024. فبوجود دونالد ترامب أو شخصية شبيهة بترامب في البيت الأبيض، ستحظى بأصدقاء أقوى في تحدي توازن القوى القائم في الاتحاد الأوروبي. بحلول ذلك الوقت، قد يكون الوفاق الودي بين إيطاليا القومية، وبولندا، وبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، هو كل ما قد يتمناه البيت الأبيض الجمهوري في أوروبا. وسوف يكون الاتحاد الأوروبي الطرف الأضعف كثيراً لهذا السبب.