لماذا تسيئ الشركات التصرف؟

دارون أسيموغلو - أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل رجال الأعمال الناجحون أشبه بالأبطال أم الأشرار؟ في الروايات الخيالية، يمكن للمرء أن يجد الكثير من الأمثلة التي تجسد كلا الصفتين، بما في ذلك شخصية «إبينيزر سكروج» البائس التي ابتكرها تشارلز ديكنز، وشخصية رجل الأعمال الفرداني القاسي «جون غالت» للمؤلف آين راند. أما في رواية «The Great Gatsby» للكاتب F. Scott Fitzgerald، (إف سكوت فيتزجيرالد)، تجسد شخصية «توم بوتشانان» الثراء الذي اكتسب بالوراثة والحظ، والذي يتسم بالقسوة وعدم القدرة على التعاطف، في حين أن «Jay Gatsby» هو مليونير عصامي لا يعاني من نقص في العاطفة والمثالية.

إن العديد من الأسماء التي نربطها الآن بالعمل الخيري أو التعليم العالي كانت تنتمي في الأصل إلى البارونات اللصوص في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إذ لم يظهر أقطاب الصناعة أي ندم في ترهيب المنافسين والاستحواذ عليهم من أجل احتكار أسواقهم وزيادة الأسعار. وكانوا يتعاملون بقسوة مع أي عامل يتجرأ على المطالبة بأجور أعلى أو ظروف أفضل، بل كانوا يقتلونه أحياناً.

حالياً، لم تعد أسطورة الأعمال التجارية البطولية متماسكة. إذ تستخدم شركة جونسون آند جونسون، التي تم الإشادة بها ذات مرة بسبب عمليات سحب منتجاتها الاستباقية لحماية العملاء، مناورة قانونية مشكوك فيها (استراتيجية «the Texas two-steps») خطوتي تيكساس («divisional merger» أو «الاندماج الشُعبي») لتجنب دفع تعويضات على تسويقها وبيعها لمسحوق «التلك» الملوث. وتتظاهر شركات النفط الكبرى، بعد عقود من الإنكار ونشر المعلومات المضللة بشأن تغير المناخ، الآن، بأنها ملتزمة بالنشاط البيئي.

وبعد ذلك يأتي دور صناعة التكنولوجيا، وهو مجال بدأ فيه العديد من رواد الأعمال كغرباء مثاليين يعدون بجعل العالم مكاناً أفضل.

لسنوات، كانت الجهات الفاعلة الأكبر في القطاع يكتسبون أو ينسخون ببساطة منتجات الوافدين الجدد لتعزيز هيمنتهم.

إن أكثر ما يثير التساؤل هي «عمليات الاستحواذ القاتلة»: إذ تشتري الشركة تقنية جديدة بحجة دمجها في نظامها البيئي الخاص، بهدف واحد وهو إلغاؤها تماماً.

أخيراً وليس آخراً، استفادت التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير من عملية جمع البيانات الجامحة، التي تسمح للجهة المسيطرة بمعرفة المزيد عن المستهلكين أكثر مقارنة مع المنافسين المحتملين، وإقامة حواجز هائلة أمام دخول السوق. والنتيجة ليست فقط تركيز السوق ولكن أيضاً التلاعب الجماعي بالمستخدمين، أحياناً من خلال عروض المنتجات المضللة، وحتى من خلال الإعلانات الرقمية في كثير من الأحيان.

ومما يدعو للتفاؤل، هو أنه ليس لدى الشركات نزعة لإساءة التصرف لا يمكن إصلاحها. فقد كان القاسم المشترك بين رجال الصناعة في نهاية القرن والجهات الفاعلة السيئة في الشركات اليوم، هو النظام الذي يفتقر إلى الضوابط المناسبة ضد التعسف. وإذا كنا نريد سلوكاً أفضل وابتكاراً أفضل من الشركات، فينبغي أن نوفر البيئة المؤسسية المناسبة والتنظيم الصحيح.

تكمن مأساة السلوك التجاري في أنه يمكن تجنبه إلى حد كبير. ولخلق التوازن المناسب بين الحواجز والحوافز، يجب أن نتخلص من أسطورة رائد الأعمال البطل، وأن ندرك أن عواصف التدمير الخلاق لا تنفجر تلقائياً. إذ فقط من خلال لوائح تنظيمية أفضل ومؤسسات أقوى يمكننا تحقيق الازدهار ومحاسبة أقوى الأشخاص في المجتمع على سلوكهم.

 

طباعة Email