أن تكون أمريكياً هو أن تجادل حول معنى أن تكون أمريكياً. حتى في زمن التأسيس، لم يكن بيننا أي شيء مشترك تقريباً. نحن لا نشترك في أصل وطني، أو طائفة دينية، أو نسب عـرقي واحد. كل ما لدينا يتلخص في طرق لتعريف «نحن، الشعب» ــ أولئك الذين يمثلون، وفقاً للدستور، موضع السيادة في دولة يُـنـظـر إليها على أنها خادم المجتمع وليس سيده.

لهذا السبب، كان الدستور دائماً خط الأساس للجدال السياسي هنا. فمنذ إقراره، مروراً بالحرب الأهلية وإعادة البناء (عندما أُعيد اختراعه بفعل «تعديلات الحرية» الثلاثة)، إلى الاعتراف بحقوق أخرى غير معدودة في القرن العشرين، عمل الدستور على بناء الخطاب السياسي. لذا، من اللافت للنظر، وربما من الخطورة بمكان، أن يعمل إجماع أيديولوجي وليد على توجيه مناهضي الفيدرالية، الذين عارضوا استبدال مواد الاتحاد الكونفدرالية بعد الاستقلال بالدستور.

في حقيقة الأمر، بدأ هذا الأجماع ينشأ في السنوات الأخيرة. والآن، تشكك شخصيات ذات نفوذ من اليسار واليمين في التسوية الدستورية التي جرت خلال الفترة 1787 - 1790، والأهم من هذا أنها تتبرأ من نتائجها.

كان اليسار ينظر إلى الدستور دوماً على أنه ثورة مضادة ناعمة، اللحظة التي أُحـبطـت فيها راديكالية الشعب «خارج الأبواب»، والتي عبرت عنها دساتير الولايات التي كُـتـبـت وجرى التصديق عليها بعد عام 1774، بعد الإطاحة بنظام المواد. ثم عمل تفسير اقتصادي لدستور الولايات المتحدة من جانب تشارلز بيرد، على تحويل هذا الموقف إلى قوانين، في عام 1913، ومنذ ذلك الحين ساعد عدد لا يحصى من الباحثين والصحافيين والقانونيين وغيرهم على ترديده وتضخيمه.

في ذات الدوائر الفكرية، أصبح من الشائع الادعاء بأن التسوية الدستورية كانت ثورة مضادة استهدفت الإبقاء على العبودية، ولم تكن وسيلة قد تعمل على توسيع النطاق الديموغرافي لتعبير «نحن، الشعب». وحتى جيمس ماديسون، المهندس الرئيسي للدستور، يفترض أنه عمد إلى منع حكم الأغلبية، وليس تمكينه.

والآن توصل اليمين إلى استنتاجات مماثلة. الواقع أن الأغلبية العظمى المحافظة الجديدة في المحكمة العليا على استعداد للتعامل مع الولايات المتحدة على أنها ميثاق دبلوماسي بين دول ذات سيادة، وهو نظام حكم أشبه بما سمحت به مواد الاتحاد الكونفدرالي. في عامنا هذا، قضت المحكمة العليا بأن الحكومة الفيدرالية لا تتمتع بسلطة فرض اللقاح أو الاختبار على الشركات التي يزيد عدد موظفيها على 100، أو فرض (أو حتى تشجيع) أي نوع من الانتقال من الطاقة المولدة بإحراق الفحم إلى مصادر الطاقة البديلة.

الأمر الأكثر إزعاجاً أن المحكمة ستنظر في قضية مور ضد هاربر، مما يمنحها الفرصة لاختبار (وربما الموافقة على) المبدأ القانوني الجديد المتمثل في «الهيئة التشريعية المستقلة لكل ولاية» ــ وهي الهيئة التي يمكنها تجاهل محاكم الولاية، والكونجرس، والمحكمة العليا ذاتها في رسم خرائط الدوائر الانتخابية أو تعيين ناخبي الولايات في المسابقات الرئاسية.

عبر هذه القرارات، يتردد صدى إرث جون سي. كالهون المهيج المؤيد للعبودية والذي أصر على أن الولايات بوسعها «إلغاء» القوانين الفيدرالية التي تتداخل مع «مؤسساتها المحلية». من الواضح أن الأغلبية الجديدة في المحكمة عازمة على تفكيك السلطات الفيدرالية، وبالتالي إعادة الولايات المتحدة إلى مرحلة التطور السياسي التي سبقت الدستور.

يبرر كل من اليسار واليمين رفضهما للتسوية الدستورية على أساس أنها تُـبـطـل الديمقراطية. وفي حين يستشهد اليسار عادة بالمجمع الانتخابي ومجلس الشيوخ باعتبارهما من الأمثلة الفاضحة على نوايا المؤسسية المناهضة للديمقراطية، يركز اليمين الآن على تغول الهيئات التنفيذية ــ الدولة «الإدارية» أو «العميقة» التي يفترض أنها تستخف بحقوق الولايات وتحبط سيادة الشعب. في كل من الحالتين، يُـنـظـر إلى الدستور على أنه العائق الرئيسي الذي يحول دون تمكين حكم الأغلبية وبالتالي الديمقراطية.

أهذه هي الحال حقاً؟ ماذا عن الإرث السياسي والفكري الذي تركه لنا فريدريك دوجلاس، وأنجيلينا جريمكي، وأبراهام لينكولن، وثورجود مارشال، وتيودور ويلد (بين آخرين كثيرين)؟ زعم كل هؤلاء أن الدستور كان لحظة في سلسلة متصلة بدأت بإعلان الاستقلال وإصراره المذهل على الحقيقة «الواضحة بذاتها»، والتي مفادها أن «كل الناس خلقوا متساوين».

وحتى ماديسون لم يتزعزع قـط في التزامه بحكم الأغلبية. فقد أصر على أنه كان شرطً لا غنى عنه لحكومة جمهورية شعبية، حتى مع اعترافه بأن الأغلبية من الممكن أن تصبح على ذات القدر من طغيان أي طاغية، وحتى عندما تأمّـل في مستقبل، حيث يكون أغلب المواطنين عمالاً مأجورين لا مصلحة لهم على الإطلاق في الحفاظ على حقوق الملكية.

كان هذا لافتاً للنظر، خاصة وأن ماديسون، مثله كمثل كل معاصريه، كان يعتقد أن الحرية لا يمكن تصورها في غياب حقوق الملكية. لكنه كان يعتقد أيضاً أن الحرية من غير الممكن أن تنجو إذا غابت المساواة. في محادثة مع توماس جيفرسون، لاحظ ماديسون أن «الهدفين الأساسيين لأي حكومة يتمثلان في حقوق الأشخاص وحقوق الملكية»، وكل جمهورية سابقة فشلت لأنها عجزت عن، أو لم تسع إلى، إيجاد التوازن بين هذه الحقوق. «في كل الحكومات التي كانت تُـعـد منارات للوطنيين الجمهوريين ومشرعي القوانين، كانت حقوق الأشخاص خاضعة لحقوق الملكية. وبهذا أصبح الفقراء ضحية للأثرياء».

مسلحاً بهذه البصيرة، كان ماديسون عازماً على كتابة دستور من شأنه أن يمكن الحكومة الشعبية الجمهورية من فرض نفسها وفي النهاية تمهيد الساحة لظهور نظام حكم لا يؤمن بأن جميع الأفراد خُـلـقوا متساوين فحسب، بل وأيضاً بأنهم يجب أن يُـعاملوا على قدم المساواة. ورغم أن هذه النية الأصلية التي لا يمكن إنكارها أصبحت في طي النسيان إلى حد كبير في ظل التدبير النيوليبرالي طوال السنوات الأربعين الأخيرة، فإنها تظل باقية. وهي تنبئنا بأن حقوق الملكية لا يجوز تقديسها على حساب الأشخاص، وأن الديمقراطية لا يجوز اختزالها في حكم الأغلبية. يجب أن تكون ممارسة سلطة الدولة مبررة بموافقة المحكومين، وليس سلطة الأرقام (وإلا فإن الجنوب الأمريكي تحت حكم جيم كرو يمكن اعتباره ديمقراطية نموذجية).

وجد ورثة فـكر ماديسون طرقاً لقراءة أعماله كأداة للتحرر. رفض أنصار مناهضة العبودية مثل دوجلاس ولينكولن، وأنصار إلغائها مثل ويلد وجريمكي، النظر إلى «فقرة الثلاثة أخماس» السيئة السمعة في الدستور، والتي حددت كيفية احتساب أصوات العبيد في تحصيص التمثيل في الكونجرس، على أنها علامة ثابتة على الدونية. بدلاً من ذلك، كانت الفقرة دعوة إلى معاملة الأمريكيين من أصل أفريقي على أنهم «أشخاص»، وهي كلمة تشير ضمناً إلى الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها السكان من ذوي البشرة البيضاء.

أدرك ورثة فـكر ماديسون أيضاً أن الدستور أجاز إنشاء صرح أكبر من مجرد مجموعة من الدول ذات السيادة. وعلى الرغم من اختلافاتهم السياسية العديدة ــ وخلافاتهم في كثير من الأحيان ــ فقد اعتبروا الدستور متسقاً تمام الاتساق مع وعد التحرر الذي جاء به إعلان الاستقلال. وهذا واجب علينا نحن أيضاً.