بولندا وألمانيا.. حكاية دين تاريخي كبير

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الأول من سبتمبر، الذي وافق الذكرى السنوية لاندلاع الحرب العالمية الثانية، تقدم رئيس حزب القانون والعدالة في بولندا، ياروسواف كاتشينسكي بتقرير قَــدّر إجمالي خسائر بولندا في زمن الحرب بنحو 1.3 تريليون دولار. برغم أن حزب القانون والعدالة دأب على التحدث عن التعويضات منذ وصوله إلى السلطة قبل سبع سنوات، فهذه هي المرة الأولى التي يفتح فيها هذا الموضوع مع ألمانيا. الواقع أن هذه القضية واضحة ولا تحتمل التأويل على المستويين الرسمي والأخلاقي ــ في حين تكمن السياسة الصحيحة في الاتجاه المعاكس.

بعد الحرب العالمية الثانية، قرر الحلفاء أن الأطراف التي نزل بها الضرر ستتلقى تعويضات مادية، وليست مالية. كان من المقرر تفكيك المصانع الألمانية ونقلها، أو تحويل الاستفادة من الأعمال التي يقوم بها الألمان إلى الدول المجني عليها، التي جرى تقسيمها إلى «كتلة غربية» تتألف من 18 دولة و«كتلة شرقية» تضم الاتحاد السوفييتي وبولندا. حصلت الكتلة الشرقية على حصتها في الأساس من منطقة الاحتلال السوفييتي في ألمانيا الشرقية.

كان من المقرر أن تحصل بولندا على %15 من هذه الحصة، وفي السادس عشر من أغسطس من عام 1945، وقعت الحكومتان في وارسو وموسكو اتفاقية لتنظيم تحويل التعويضات. كان المفترض أن يتلقى الاتحاد السوفييتي ما يصل إلى 10 مليارات دولار (بأسعار عام 1938)، لكن تقديرات المؤرخين تشير إلى أنه حصل في نهاية المطاف على 3 مليارات أو 4 مليارات دولار ــ نحو ثلث إنتاج ألمانيا الشرقية المحتمل.

ثم في ديسمبر من عام 1970، أعادت بولندا التأكيد على تخليها عن مطالبات التعويض بموجب اتفاقية جديدة مع ألمانيا الغربية، والتي اعترفت بالحدود البولندية على نهري أودر ونايسه ــ في ما كان ألمانيا قبل الحرب. بدون هذا الاعتراف بحدود ما بعد الحرب، كان وجود الدولة البولندية ذاتها ليصبح موضع تساؤل.

من الناحية الرسمية إذن، تعتبر مسألة التعويضات مُـغـلَـقة. علاوة على ذلك، يوضح الدستور البولندي، في المادة 241، أن «الاتفاقيات الدولية المبرمة وفقاً للنظام الدستوري السابق (بما في ذلك بموجب دستور جمهورية بولندا الشعبية لعام 1952) تُـعامَـل على أنها اتفاقيات دولية مصدق عليها بموافقة مسبقة يعبر عنها القانون». بالاستشهاد بذات الوثائق، تعتبر الحكومة الألمانية أيضاً هذا الموضوع مُـغـلَـقاً.

من المؤكد أن ألمانيا مدينة لبولندا بالفعل بدين تاريخي كبير. فقد تسبب العدوان الألماني في الحرب العالمية الثانية في إحداث دمار غير مسبوق، بما في ذلك تدمير العاصمة بالكامل، ومحو عدد لا يُـحـصى من المنتجات الثقافية البولندية، ووفاة ستة ملايين مواطن بولندي

من ناحية أخرى، يجب أن نعترف أيضاً بأن النجاح الاقتصادي الذي حققته بولندا على مدار العقود الثلاثة الأخيرة ما كان ليتحقق بدون ألمانيا، التي كانت أيضا الـمُـدافِـع الأكثر حماسة عن انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

على هذه الخلفية، استفزت مطالبة كاتشينسكي بالتعويضات انتقادات لاذعة في كل مكان باستثناء وسائل الإعلام التي يسيطر عليها حزب القانون والعدالة. يرى كثيرون مثالاً آخر على الرجعية الاستثنائية التي يتسم بها رجل اشتهر بتشبثه بالماضي. ولكن يبدو أن كاتشينسكي يعتقد أن إطلاق مثل هذه المطالبات من شأنه أن يعمل على تحسين موقف حزب القانون والعدالة قبل الانتخابات العامة في العام المقبل. وبطبيعة الحال، كانت إثارة هذه القضية الآن من قبيل الإلهاء عن الصراع الذي تخوضه الحكومة ضد التضخم الجامح (الذي تجاوز الآن %16) وأسعار الطاقة التي ارتفعت إلى عنان السماء.

* مؤسس حركة «كريتيكا بوليتيكانا» وكبير زملاء المجلس الألماني للعلاقات الخارجية

طباعة Email