الأخلاق وتأثير البيئة المحيطة

بيتر سِنجر - أستاذ أخلاقيات الطب الحيوي في جامعة برينستون، وهو مؤسس المنظمة الخيرية «الحياة التي يمكنك إنقاذها». من بين مؤلفاته: «أخلاق عملية»، و«أعظم خير يمكنك تقديمه»، و«الأخلاق في العالم الحقيقي».

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعالوا نتأمل في العبارتين التاليتين اللتين تصفان أحكامنا الأخلاقية:

إذا كان طفل ما جائعاً أو مصاباً بأذى، يكون التزام والدي الطفل أو أصدقائهما بمساعدته أكبر من التزام شخص غريب بذلك.

إذا اضطررنا إلى الاختيار بين إنقاذ حياة إنسان أو حياة كلب ــ أو حتى عدد كبير من الكلاب ــ فيتعين علينا إنقاذ الإنسان.

يتفق الجميع تقريباً مع هذين الحكمين الأخلاقيين، أليس كذلك؟ خطأ. الواقع أن مجموعة كبيرة من الناس يتبنون رأياً مخالفاً. في العامين الماضيين، قارَنَـت دراستان منفصلتان بين آراء البالغين حول هاتين المسألتين وآراء الأطفال بين سن الخامسة والعاشرة، ووجدت أن ردود الأطفال اختلفت بدرجة كبيرة.

تسعى كل من الدراستين إلى إلقاء الضوء على كيفية تَـشَـكُّـل أحكامنا الأخلاقية، وبالتالي مساعدتنا في الإجابة عن أحد التساؤلات الكبرى حول الأخلاق: هل تمتد جذورها في المقام الأول إلى ثقافتنا، أو أنها فطرية؟

تُـظـهِـر إحدى الدراستين، بقيادة جوليا مارشال، زميلة ما بعد الدكتوراه في بوسطن كوليدج، أن الأطفال بين سن الخامسة والعاشرة يقولون إن الطفل إذا كان جائعاً أو مصاباً فإن أي شخص غريب ملزم بمساعدته. على النقيض من هذا، كان الأطفال الأكبر سناً والبالغين أكثر ميلاً إلى التمييز بين الغرباء، غير الملزمين بالمساعدة، والآباء أو الأصدقاء الملزمين بذلك.

أجريت هذه الدراسة في ألمانيا والهند واليابان وأوغندا والولايات المتحدة، وفي كل هذه البلدان، رأي الأطفال الأصغر سناً أن الغرباء ملزمون بالمساعدة.

يتمثل الفارق الثقافي الرئيسي الذي توصلت إليه الدراسة في أن المشاركين في الهند واليابان وأوغندا أعطوا وزناً أقل للاختلافات بين الآباء والأصدقاء والغرباء مقارنة بما أعطاه لها الأطفال في ألمانيا والولايات المتحدة من وزن. في أوغندا، في حقيقة الأمر، كان الأطفال الأكبر سناً أكثر ميلاً من الأطفال الأصغر سناً إلى اعتبار الأصدقاء والغرباء ملزمين بتقديم المساعدة.

كما أظهرت دراسة الأولويات في ما يتصل بالاختيار بين إنقاذ إنسان أو حيوان، والتي قادها ماتي ويلكس، المحاضر في جامعة أدنبرة، أن الأطفال بين سن الخامسة والتاسعة يتخذون نظرة أوسع من البالغين. لكن في هذه الحالة، كانت نظرة أوسع لقيمة الحياة.

ففي حين اختار كل البالغين تقريباً إنقاذ إنسان بدلاً من إنقاذ مائة كلب أو خنزير، أعطى عدد كبير من الأطفال لإنقاذ الكلب ذات القدر من الوزن الذي أعطوه لإنقاذ إنسان، ورغم أن الأطفال يقدرون الكلاب أكثر من تقديرهم للخنازير، فقد اختار غالبيتهم إنقاذ عشرة خنازير بدلاً من إنسان واحد.

ربما يلقي هذا بعض الضوء على السبب الذي يجعل بعض الأطفال الذين نشأوا على أكل اللحوم يرفضون تناولها بعد أن يكتشفوا أن اللحم في حقيقة الأمر آت من جسد حيوان قُـتِـل. الواقع أن مقطع فيديو لفتاة صغيرة تفعل ذلك على وجه التحديد شوهد ما يقرب من ثمانية ملايين مرة.

تشير الدراستان إلى أن الأطفال الصغار يتمتعون بحساسيات أخلاقية واسعة، سواء من حيث من يجب أن يساعد شخصاً محتاجاً، أو نطاق الكائنات التي يهتمون بها. تشير الدراستان أيضاً إلى أن هذه الحساسيات، في معظم الثقافات، تصبح أضيق نطاقاً أثناء نمو الطفل.

تُـرى هل يكون هذا التضييق راجعاً إلى تنشئة الأطفال وتوجيههم ثقافياً، أو هل يكون الأمر أن الأطفال يراجعون أحكامهم في ضوء معرفة أكبر بالعالم؟ لم نتوصل بعد إلى إجابة عن هذا التساؤل.

 

طباعة Email