لا تزال أستراليا تثير ذهول طلاب الديمقراطية البرلمانية الغربية، إذ بعد فترة التمثيلية الصامتة، التي لم يمض عليها وقت طويل، والتي غيرت البلاد خلالها زعيمها خمس مرات، في غضون خمس سنوات، وخسارة رئيس الوزراء، سكوت موريسون، الانتخابات مؤخراً، والذي نجح خلال العامين الماضيين في محاولاته تعيين نفسه وزيراً لما لا يقل عن خمس دوائر حكومية رئيسية أخرى.

الحكم الأخير، الذي أصدره المحامي العام الأسترالي بشأن ملاءمة تصرفات موريسون للدستور واضح للغاية، وخلص كبير المحامين غير السياسيين في البلاد إلى أنه على الرغم من أن التعيينات الذاتية لرئيس الوزراء لم تكن غير قانونية، إلا أنها «قوضت بصورة أساسية» مبادئ الحكومة المسؤولة.

وعلى الرغم من أن أحد التعيينات الذاتية التي قام بها، كوزير ثانٍ للصحة، في ذروة جائحة كوفيد 19 وبموافقة شاغل المنصب، كان له بعض المبررات، إذ كانت سلطات الطوارئ للمكتب واسعة النطاق إلى حد كبير، ويمكن القول إنها كانت تتطلب دعماً متاحاً على الفور إذا كان الوزير الأول مريضاً جداً.

ولكن لماذا يتسم هذا الترتيب بالسرية؟ وبالنظر إلى إمكانية تعيين وزير آخر، أو وزير بالإنابة، بجرة قلم- كما يظهر من خلال تعيينات موريسون الإضافية- فلماذا لا ننتظر حتى تنشأ حالة الطوارئ هذه؟

لم تكن لأي من التعيينات الذاتية الوزارية الأخرى لموريسون- في وزارة الطاقة، والشؤون الداخلية، والمالية، والخزينة- تلك الذرة من التبرير، فالمناسبة الوحيدة التي استخدم فيها رئيس الوزراء بالفعل سلطاته الإضافية لم تكن لها علاقة بالوباء، إذ حرصاً منه على تجنب هزيمة ساحقة في الانتخابات في بعض المناطق، التي تدعم الطاقة الخضراء، فرض سلطته على وزير الطاقة المشارك معه حتى يرفض تصريح مشروع التنقيب عن الغاز البحري المثير للجدل.

«لقد كنت أقود السفينة تحت سماء عاصفة»، هكذا قال موريسون، موضحاً لفريق الصحافيين الذين بدا عليهم الإرهاق، والذين فكروا تفكيراً منطقياً، واقترحوا أنه ربما لم يبحر بعيداً بدون طاقم يدعمه.

وسيكون من الصعب على أي تحقيق تجنب البحث بشأن مساهمة «موريسون» في فشل الحاكم العام، ديفيد هيرلي، ممثل الملكة إليزابيث الثانية في أستراليا، الذي أصدر قراراً بتعيين موريسون بموجب الدستور في المناصب الوزارية الأخرى.

وبالطبع، كان الحاكم العام مضطراً، كما يصر المدافعون عنه، إلى قبول نصيحة رئيس وزرائه، بالنظر إلى أن موريسون حصل بوضوح على دعم الأغلبية في البرلمان. وكان رفض النصيحة سيؤدي إلى تكرار الخطيئة الجسيمة التي ارتكبها سلف هيرلي، جون كير، قبل نصف قرن تقريباً، وإن كان سيكون لذلك عواقب أقل خطورة، ولم يكتف «كير» برفض نصيحة رئيس الوزراء آنذاك، جوف ويتلام، بشأن كيفية حل أزمة برلمانية، بل أقال ويتلام من منصبه، ولكن يبدو أن هيرلي، وهو رجل محترم، لكن معظم الأستراليين لا يستطيعون ذكر اسمه أو التعرف عليه- قد أهمل طرح أي أسئلة ذات صلة بالموضوع. ونظراً لأن هيرلي لم يطرح هذه الأسئلة فإن العديد من الأستراليين، الذين يفكرون في الموضوع يطرحون أسئلتهم الخاصة الآن: ما هو الهدف بالضبط من وجود رئيس دولة في شكل الحاكم العام، الذي ليس لديه حس واضح بالمبادئ الدستورية الأساسية، التي تعهد هو أو هي بحمايتها؟

لقد كانت التداعيات السياسية للجدل كبيرة بالفعل، فالعديد من أعضاء الائتلاف الوطني الليبرالي بزعامة موريسون، الذين ما زالوا يعيشون حالة من الفوضى بعد خسارتهم الانتخابية الساحقة في مايو، لم يخفوا سخطهم. واستمرار موريسون في شغل منصب عضو في البرلمان سيزيد من عمق هذا الاستياء، وقد عززت هذه القضية من معدلات الموافقة القياسية، التي تدعم رئيس الوزراء العمالي الجديد أنتوني ألبانيز وحكومته.ويبدو أن هناك إحساساً عاماً بالارتياح لأن أستراليا، على ما يبدو، أعادت أخيراً الكبار إلى السلطة، وأن السنوات الطويلة، التي غالباً ما كانت تعاني فيها الحكومة من خلل وظيفي، والمفاجآت السياسية الغريبة قد تنتهي أخيراً، ولكن نظراً إلى الأحداث التي سجلها تاريخنا على مدار العقد الماضي أو أكثر من ذلك، من يمكنه أن يثق أن هذا سيحدث؟

* وزير خارجية أستراليا الأسبق، الرئيس الفخري لمجموعة الأزمات الدولية