ألمانيا.. وضرورة الاعتراف بأزمة النموذج الاقتصادي

ت + ت - الحجم الطبيعي

ليس من السهل أبداً أن تفيق من نومك على أخبار مفادها أن نموذج الأعمال السائد في بلدك قد انهار. من الصعب الاعتراف بأن مستقبلك القريب بات يعتمد الآن على كرم أجانب عازمين على استغلال طاقاتك ومواردك. وأن الاتحاد الأوروبي، الذي وضعت ثقتك فيه، كان منخرطاً في ممارسة عمليات تمويه دائمة. وأن شركاءك في الاتحاد الأوروبي، الذين تطلب منهم المساعدة الآن، لا يتجاوبون.. وأنك يجب أن تتحمل تغيرات هائلة مؤلمة لضمان عدم تغير أي شيء.

يعرف اليونانيون هذه المشاعر حق المعرفة. فقد اختبرناها في صميم وجداننا في أوائل عام 2010. اليوم، أصبح الألمان هم الذين يواجهون جداراً من هذا القبيل. وبقدر ما يبدو في الأمر من مفارقة، فلا أحد من الأوروبيين في وضع أفضل من اليونانيين لفهم حقيقة مفادها أن الألمان يستحقون الأفضل؛ وأن مأزقهم الحالي هو نتيجة لفشلنا الأوروبي الجماعي.

لقد انقلبت الطاولة على ألمانيا لأن نموذجها الاقتصادي اعتمد على الأجور المكبوحة، والتميز في الهندسة الميكانيكية المتوسطة التقنية ــ وخاصة تصنيع سيارات محرك الاحتراق الداخلي. نتج عن ذلك فوائض تجارية ضخمة خلال أربع مراحل متميزة بعد الحرب العالمية الثانية: في نظام بريتون وودز بقيادة الولايات المتحدة، الذي وفر أسعار صرف ثابتة والقدرة على الوصول إلى الأسواق في أوروبا، وآسيا، والأمريكيتين؛ ثم بعد انهيار نظام بريتون وودز، عندما أثبتت السوق الأوروبية الموحدة كونها مربحة للغاية للصادرات الألمانية؛ ومرة أخرى في أعقاب تقديم اليورو، عندما فتح تمويل البائعين الباب على مصراعيه أمام تدفقات السلع ورأس المال من ألمانيا إلى أطراف أوروبا؛ وأخيرا، عندما ساعد تعطش الصين إلى منتجات التصنيع الوسيطة والنهائية في سد الفجوة بعد أن تسببت أزمة اليورو في تراجع الطلب على السلع الألمانية في جنوب أوروبا.

بدأ الألمان الآن يتقبلون ببطء زوال نموذجهم الاقتصادي وبدأوا يدركون الكذبة الكبرى المتعددة الأوجه التي ظلت نخبهم تكررها على مدار ثلاثة عقود من الزمن: لم تكن الفوائض المالية نتيجة لحصافة في العمل، بل كانت فشلاً ذريعاً، خلال السنوات الطويلة من أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض، للاستثمار في الطاقة النظيفة، والبنية الأساسية الحرجة، وتكنولوجيات المستقبل الحاسمة: البطاريات والذكاء الاصطناعي.

كما تبين أن الادعاء بأن النموذج الألماني كان متوافقاً مع الاتحاد النقدي الأوروبي كاذب أيضاً. مع افتقاره إلى اتحاد مالي وسياسي، كان الاتحاد الأوروبي ليثقل دوماً كاهل حكومات نادي البحر الأبيض المتوسط وبنوكه وشركاته بديون لا يمكن سدادها، وهذا من شأنه أن يجبر البنك المركزي الأوروبي في النهاية على الاختيار بين ترك اليورو للموت أو الشروع في تنفيذ خطة دائمة لإخفاء الإفلاس.

يعلق بعض الأصدقاء الألمان آمالهم على هبوط اليورو لإعادة النموذج الألماني إلى صحته. لكن هذا لن يحدث. تستفيد البلدان المنخفضة المدخرات والتي تعاني من عجز تجاري بنيوي، مثل اليونان أو غانا، من خفض قيمة العملة. أما البلدان ذات المدخرات المرتفعة والتي تتمتع بفوائض تجارية بنيوية، فلا تستفيد من ذلك ــ كل ما يحدث هو أن المستهلكين المحليين الأكثر فقراً يدعمون المصدرين الأكثر ثراء، وهذا عكس ما يحتاج إليه الاقتصاد الاجتماعي الألماني تماماً.

رسالتي إلى أصدقائي الألمان بسيطة: أوقفوا الحداد. وانبذوا الإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب، واعكفوا على تصميم نموذج اقتصادي جديد. على عكس اليونانيين، لا يزال لديكم ما يكفي من السيادة للقيام بذلك دون إذن من الدائنين.

لكن أولاً، يتعين عليكم أن تعملوا على حل معضلة سياسية حرجة: هل تريدون أن تحتفظ ألمانيا بالسيادة السياسية والمالية؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن نموذجكم الجديد لن ينجح أبداً في منطقة اليورو. إن كنتم لا تريدون العودة إلى المارك الألماني، فأنتم في احتياج إلى نموذج مدمج في اتحاد أوروبي ديمقراطي تام النضج. أي شيء آخر لن يؤدي إلا إلى استمرار الكذبة الكبرى التي بدأتم للتو تتعاملون معها وتختبرون آلامها.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وهو زعيم حزب MeRA25 وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا

طباعة Email