أوروبا والصين.. ضرورة حوار فكري مثمر

مارك ليونارد - مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مؤلف كتاب «عصر عدم السلام: كيف يتسبب الاتصال بالصراع» (مطبعة بانتام، 2021).

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل تبدو الحرب بين روسيا وأوكرانيا أول صراع في سلسلة من الصراعات التي ستجعل أوروبا أقرب حالاً إلى الشرق الأوسط في السنوات المقبلة؟ طرح عليّ أكاديمي صيني طلب عدم الكشف عن هويته هذا السؤال الأسبوع الماضي، وأظهر تفكيره كيف ينظر غير الغربيين بشكل مختلف إلى الحرب التي تعيد تشكيل النظام الجيوسياسي الأوروبي.

في حديثي مع الأكاديميين الصينيين لفهم كيف ينظرون إلى العالم، وجدت أنهم يبدؤون من موقع مختلف جوهرياً عن الكثيرين في الغرب. لا يقتصر الأمر على احتمال إلقاء اللوم في حرب أوكرانيا على توسع الناتو؛ العديد من افتراضاتهم الاستراتيجية الأساسية هي أيضاً عكس افتراضاتنا.

بينما ينظر الأوروبيون والأمريكيون إلى الصراع على أنه نقطة تحول في تاريخ العالم، فإن الصينيين يرونه مجرد حرب - حرب أقل أهمية من تلك التي شنت في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان على مدار الـ 75 عاماً الماضية.

علاوة على ذلك، بينما يعتقد الكثير في أوروبا أن الحرب كانت بمثابة علامة على عودة أمريكا إلى المسرح العالمي، فإن المثقفين الصينيين يرونها تأكيداً إضافياً لعالم ما بعد أمريكا القادم. بالنسبة لهم، خلقت نهاية الهيمنة الأمريكية.

في حين يرى الغربيون هجوماً على النظام القائم على القواعد، يرى أصدقائي الصينيون ظهور عالم أكثر تعددية - عالم تسمح فيه نهاية الهيمنة الأمريكية بمشاريع إقليمية وشبه إقليمية مختلفة. وهم يجادلون بأن النظام القائم على القواعد يفتقر دائماً إلى الشرعية؛ لقد أوجدت القوى الغربية القواعد، ولم تظهر أبداً الكثير من الانزعاج حيال تغييرها عندما يتناسب ذلك مع أهدافها (كما في كوسوفو والعراق).

لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن الحرب هذه يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها حرب بالوكالة.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن المراقبين الصينيين ينظرون إلى الأشياء بشكل مختلف تماماً عما نفعله. وعلى الأقل، يجب علينا في الغرب أن نفكر ملياً في الكيفية التي ينظر بها إلينا بقية العالم. نعم، من المغري رفض الحجج الصينية باعتبارها مجرد نقاط للحديث، مصممة للبقاء في الجانب الجيد من نظام معاد وغير ديمقراطي (المناقشات العامة حول أوكرانيا تخضع لسيطرة شديدة في الصين). لكن ربما يكون هناك بعض التواضع في محله.

لدى المراقبين الصينيين وجهة نظر مختلفة جذرياً قد تساعد في تفسير سبب عدم حصول الغرب على دعم شبه عالمي لعقوباته ضد روسيا. وهذا أمر لا بد أن نتفهمه ولا يجب أن يكون نقطة وبؤرة تشنج وتوتير لعلاقاتنا مع الصين، في في نهاية المطاف، دولة لها مصالحها ولها مبادئها ومواقفها وتحليلاتها الخاصة في الساحة والسياسة الدولية.

إن الصين وأوروبا لديهما، كل على حدة، مصالحها الخاصة، ومن المؤكد أن سياسات الدول والاتحادات، الداخلية والخارجية تنطلق من أساس هذه المصالح وما يكفل تحقيقها، لذا من غير المستغرب أن لا تكون وجهات ومواقف نظر الصين متلائمة مع أوروبا، فهي دولة من الدول العظمى حالياً، ولديها خياراتها ومواقفها من كافة القضايا، لكن المستغرب أو المتسهجن، أن لا تبادر أوروبا والصين أيضاً من جهتها، إلى تبني أجندات وبرامج عمل لتقريب وجهات نظرهما وتفهم كلتيهما مصالح وخيارات الأخرى، بشكل يسمح باستيعاب هذا الاختلاف وترسيخ علاقة سليمة يميزها التعاون لما فيه صالح كلا الطرفين وأيضا لما يخدم أمن وسلام ورفاهية عالمنا.

 

طباعة Email