لا يجوز لنا أن ننظر إلى حوادث إطلاق النار متعددة الضحايا، والتي تعطل الحياة الأمريكية بانتظام على أنها أفعال عشوائية. فهي تنم عن ضعف سلطة الدولة السيادية بهذا المجال. الواقع أن السيادة، باعتبارها المطالبة المطلقة بالسُـلطة، تُـصِـر بإلحاح على مبدأين على الأقل: عدم القابلية للتجزؤ واحتكار الممارسة المشروعة للقوة. فالدولة وحدها، من خلال قوة الشرطة، مسموح لها باستخدام العنف في الدفاع عن الدولة.

وعلى هذا فإن فقدان الثقة في قوة شرطة الدولة أمر بالغ الخطورة، خاصة وأن هذا يدعو إلى الاعتماد على الذات في الاستجابة للشعور بانعدام الأمان أو الظلم. عندما يصبح من غير الممكن الثقة في قدرة الدولة على توفير الأمن والعدالة ــ للحفاظ على نسيج المجتمع ــ يمثل الاعتماد على الذات منافساً محتملاً لسيادة الدولة.

ارتبط ظهور الحركات السياسية الفاشِـيّـة بصعود مواز للميليشيات الخاصة: قمصان موسيليني السوداء، وقمصان هتلر البنية، والقمصان الخضراء البرازيلية، وقمصان الزعيم الأيرلندي الفاشستي إيوين أودوفي الزرقاء.

في الولايات المتحدة اليوم، تتعايش أعمال الإرهاب المحلي المعزولة جنباً إلى جنب مع أشكال أكثر تنظيماً من العنف. خلال الفترة من السادس من يناير 2021، الذي شهد التمرد في مبنى الكابيتول الأمريكي، وارتفاعاً كبيراً في مبيعات الأسلحة النارية لجمهور مشبع بالأسلحة بالفعل، ونمو وتطبيع المنظمات والميليشيات اليمينية المتطرفة، توالت أدلة وفيرة تؤكد انهيار الإيمان المشترك بسيادة الدولة على نحو متسارع.

تخدم نظريات مؤامرة «الدولة العميقة» التي ابتدعها اليمين وأكاذيب الحزب الجمهوري حول تزوير الانتخابات غرضاً مشتركاً: تحدي شرعية الدولية. مع انتشار هذا التحدي عبر وسائل الإعلام التقليدية ووسائط التواصل الاجتماعي، تُـصـبِح مصادر العنف غير الرسمية مقبولة على نحو متزايد، فَـيُـدان العنف ويُـضفى عليه طابع رومانسي في ذات الوقت. ومرة أخرى، هذا نمط مألوف في صعود الفاشِـيّـة.

يعمل إغراق السوق بالأسلحة النارية ــ مثله كمثل إغراق سوق الأفكار بالهراء (وهو ما دعـا إليه مستشار ترامب السابق ستيف بانون) ــ على تضخيم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي. ومع تنامي الارتباك والخوف، تكتسب قوى الرجعية المزيد من القوة. قد لا يكون أولئك الذين يعيشون في خوف راغبين في ممارسة العنف بأنفسهم، لكنهم سيحتضنون على نحو متزايد أولئك الذين هم على استعداد لممارسته نيابة عنهم.

تتلخص أفضل طريقة لحماية الديمقراطية الليبرالية من هذا التهديد المتنامي في حشد وتعبئة المؤسسات التي لا تزال قائمة بوظيفتها: الصحافة، والتجمع السلمي، والعملية الانتخابية. لكن هذا يجب أن يحدث بسرعة، لأن المؤسسات الثلاث أصبحت عُـرضة للخطر بشكل متزايد.

في الوقت ذاته، أصبح حق التجمع العام مهدداً بفعل قوانين جديدة تفتح الباب لارتكاب أعمال العنف ضد المحتجين السلميين.

نظراً لهذه التهديدات المتصاعدة، يتطلب الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية الأساسية ــ الصحافة الحرة، وحق التجمع السلمي، والانتخابات الحرة النزيهة ــ ليس فقط زيادة المشاركة الجماعية بل وأيضاً شجاعة حقيقية.

يتطلب الأمر ذلك النوع من الشجاعة التي أظهرها نشطاء ستينيات القرن العشرين الذين حاربوا الراسخين في الفصل العنصري من أجل الحقوق المدنية. يتطلب شجاعة النساء اللاتي ناضلن للفوز بحق التصويت، واللاتي يتعين عليهن الآن أن يكافحن من جديد من أجل حقهن في اتخاذ القرارات بأنفسهن.

ربما تكون المخاطر هذه المرة جسيمة كما كانت في أي وقت مضى، لكن الدرس الأساسي يظل باقياً.