تدفعنا استقالة رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إلى القراءة التاريخية واستعراض جملة مواقف وأحداث تتعلق بقادة سياسيين بريطانيين مروا بظروف متنوعة دفعتهم للاستقالة. وهي أيضاً تدفعنا للقراءة في طبيعة تداخل السياسي والاجتماعي والثقافي، بشكل عضوي في وقتنا الحالي.

كانت حالات الانسحاب الثلاث من ميدان السياسة، الأكثر بروزاً، في تاريخ القادة البريطانيين في القرن العشرين، راجعة إلى عوامل سياسية. سَـقَـطَ نيفيل تشامبرلين بسبب سياسته الاسترضائية. وأجبر الإخفاق التام في إدارة أزمة السويس أنطوني إيدن على الاستقالة في عام 1957. وسقطت مارغريت تاتشر في عام 1990 لأن المقاومة الشعبية لضريبة الاقتراع أقنعت نواب حزب المحافظين بأنهم لن يتمكنوا من الفوز مرة أخرى ما دامت قائدة لهم.

وكانت الهزائم الانتخابية في أعقاب فشل اقتصادي سبباً في إسقاط إدوارد هيث وجيمس كالاهان في سبعينيات القرن العشرين. واضطر توني بلير إلى الاستقالة بسبب كارثة العراق وتلهف جوردون براون على خلافته. وتهاوى ديفيد كاميرون تحت وطأة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتيريزا ماي بسبب فشلها في إنجاز الخروج.

لن نجد أسباباً من هذا القبيل تفسر سقوط جونسون.

كان ديفيد لويد جورج، وهو زعيم أبرز كثيراً من بوريس جونسون. ولكن برغم أن بيع المقاعد في مجلس اللوردات، والأساليب الإدارية المبتذلة، وعدم الأمانة، كلها أسباب أضعفت لويد جورج، فإن السبب المباشر وراء سقوطه (قبل قرن من الزمان على وجه الدقة) كان سوء إدارته لأزمة تشاناك، التي دفعت بريطانيا وتركيا إلى شفا الحرب.

المقارنة الأكثر شيوعاً هي مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. كانت كل مخالفة يرتكبها جونسون يُـزاد عليها روتينياً اللاحقة «جيت» على غرار فضيحة ووترجيت التي قضت على نيكسون.

أطلق جون ماينارد كينز وصف «المحتال» على لويد جورج؛ من المعروف عن نيكسون أنه كان ينفي أنه محتال. لم يكن أي منهما، ولا جونسون، محتالاً بالمعنى الفني للكلمة (إدانته بارتكاب جرائم الاحتيال)، لكن نيكسون كان لـيُـعـزَل في عام 1974 لولا استقالته، وقد دفع جونسون غرامة قدرها 50 جنيهاً إسترلينياً بسبب خرقه لقواعد الإغلاق. علاوة على ذلك، أظهر ثلاثتهم الازدراء للقوانين التي انتُـخِـبوا لدعمها وإنفاذها، ومعايير السلوك المتوقعة من المسؤولين الحكوميين.

في زمننا هذا، أصبح كل ما هو شخصي سياسياً حقاً: فالإخفاقات الشخصية هي بحكم الواقع إخفاقات سياسية. لم يعد من الممكن التمييز بين الخاص والعام، بين الحس الشخصي الذاتي والواقع الموضوعي، بين النوازع الأخلاقية والدينية وتلك التي يتعين على الحكومة معالجتها.

الحق أن السياسة عَـبَـرَت إلى مملكة كان يحكمها في السابق الطب النفسي. كان من المحتم أن يحدث هذا بمجرد أن قوض الثراء الأساس الطبقي القديم الذي تقوم عليه السياسة. الآن، تهيمن على المساحات التي أخلتها سياسة التوزيع تساؤلات حول الهوية الشخصية تنشأ عن الـعِـرق، والنوع الاجتماعي، والتفضيل الجنسي، وما إلى ذلك. وأصبح تلافي التمييز، وليس معالجة التفاوت بين الناس، مهمة السياسة.

كانت هناك دوماً سوق ضخمة للشائعات. ولكن حتى في «الصحافة الصفراء» القديمة، كان هناك مجال معترف به للأحداث العامة التي كانت تحظى بالأولوية. الآن أصبحت الشائعات والقيل والقال هي الأحداث العامة. أدى هذا التطور إلى تغير جذري في التصورات العامة حول السمات التي يجب أن يتحلى بها القائد السياسي.

 

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة واريك. شغل منصب المدير غير التنفيذي لشركة النفط الروسية الخاصة PJSC Russneft خلال الفترة من 2016 إلى 2021