ها هي العاصمة الإسبانية مرة أخرى، مسرح أحداث فصل جديد من فصول الأمن الأوروبي، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على آخر قمة استضافتها مدريد لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسوف يكون لزاماً على أوروبا، في الأغلب الأعم، أن تلعب دور البطولة في الرواية. في النهاية، يجب أن يساعد اجتماع الحلف القادم الأوروبيين على النهوض وتحمل مسؤولياتهم في ما يتصل بأمن القارة الأوروبية. هذه هي أفضل وأهم مساهمة يمكن أن تقدمها أوروبا لمستقبل الناتو.
يختلف السياق الجيوسياسي اليوم تمام الاختلاف عن الهيئة التي كان عليها قبل ربع قرن من الزمن. في قمة مدريد عام 1997، وجه الناتو الدعوة إلى ثلاث دول سابقة في حلف وارسو ــ جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا ــ للانضمام.
أثبت الناتو أنه لا غنى عنه لأمن أوروبا وأفضل ضمانة للأمن الوطني لعدد متنام من البلدان.
لعقود من الزمن، كان الانقسام الزائف بين أوروبيين وأطلسيين سبباً في احتدام جدال أمني عقيم وهَـدّام في أوروبا. اليوم، لا يشك إلا قِـلة من المراقبين في أن الأوروبيين يجب أن يساهموا بشكل أكبر في الحلف والأمن الأوروبي، وأنهم يجب أن يعملوا على تطوير القدرة على القيادة في الأزمات الأمنية في المستقبل. وعلى هذا فإن السؤال المطروح الآن هو: كيف من الممكن أن تسهم أوروبا على أفضل وجه في مهمة الناتو؟.
من المؤكد أن أوروبا القوية لا غنى عنها لتنشيط الرباط الأمني عبر الأطلسي. في أحد اجتماعاتي الأولى بصفتي ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، قدم رئيس أركان الدفاع البريطاني وصفاً لائقاً للاتجاه الذي ينبغي للعلاقة أن تتخذه. قال: «إن أوروبا التي تظل متحالفة مع الولايات المتحدة، بسبب ضعفها ببساطة، محدودة القيمة».
إن تعزيز قوة العلاقة عبر ضفتي الأطلسي يعني ضمناً إدراك حقيقة مفادها أن مكونها الأوروبي تغير.
إن الأساس الذي يجب أن يستند إليه تعزيز تكامل الدفاع الأوروبي قائم بالفعل. وقد ساعد التقدم المحرز طوال السنوات العشرين الأخيرة في مجالات السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة، والخبرة المكتسبة في مهام الاتحاد الأوروبي المدنية والعسكرية، وعمل وكالة الدفاع الأوروبية، وتبني البوصلة الاستراتيجية، في وضع أوروبا في موقف ملائم لمواجهة التحدي.
تُـعَـد رغبة الجماهير الوطنية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي في تمويل مشاريع مشتركة لتقوية قطاع الدفاع الأوروبي خطوة أولى أساسية.
تعتمد أوروبا حالياً على الإنفاق خارج حدودها لنحو %60 من قدراتها العسكرية. ويجب أن يتجنب الإنفاق الدفاعي الأكبر والأفضل زيادة اعتماد أوروبا على صناعات الأسلحة في دول أخرى، لأن هذا من شأنه أن يقوض الجهود المبذولة لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. ولكن في حين ينبغي لنا أن نشجع الاستثمار في صناعة دفاعية أوروبية بالكامل، فمن الأهمية بمكان أن لا يتسبب اقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بإنشاء اتحاد دفاعي أوروبي في خلق تبعيات داخلية جديدة تعود بالفائدة على قِـلة من الصناعات الوطنية داخل أوروبا.
إن تطوير سياسة دفاعية مشتركة للاتحاد الأوروبي لا يستلزم تقسيم المسؤوليات في ما يتصل بالأمن الأوروبي، ولا يجب أن يحل محل الوظيفة الحيوية التي يضطلع بها الناتو. سوف تظل مسؤوليات المنظمات التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه الرباط الأمني عبر الأطلسي على حالها. ما يهم هو تحمل تلك المسؤوليات بكل ما أوتينا من قوة.
* الممثل الأعلى الأسبق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وأمين عام منظمة حلف شمال الأطلسي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً. يشغل حالياً منصب رئيس EsadeGeo ــ مركز أبحاث الاقتصاد العالمي والدراسات الجيوسياسية
