المحكمة العليا الأمريكية وقوانين الإجهاض

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في عام 1972، قبل عام من صدور القرار في قضية رو، أجريت في الولايات المتحدة نحو 600 ألف عملية إجهاض قانوني، وربما مئات الآلاف من العمليات غير القانونية. اليوم، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 750 ألف امرأة يخضعن لعمليات إجهاض كل عام. من المؤكد أن إبطال القرار الصادر في قضية رو لن يقلل من الطلب على خدمات الإجهاض.

يشير تسريب مسودة رأي الأغلبية التي أعدها القاضي صموئيل أليتو إلى أن المحكمة العليا الأمريكية على وشك إلغاء القرار في قضية «رو ضد وايد» الصادر عام 1973 والذي اعترف بالحق الدستوري في الإجهاض. إذا حدث هذا، فسوف تخلق المحكمة أُمـة من الخارجين على القانون، لأن العديد من النساء سيتهربن ببساطة من قوانين الإجهاض التقييدية أو ينتهكنها. لكن المحكمة ستخلق بهذا أيضاً مجتمعاً أشد تفاوتاً، لأن النساء الفقيرات اللاتي لا يرغبن في الاحتفاظ بحملهن ستكون الخيارات المتاحة لهن أقل كثيراً من نظرائهن الأكثر ثراء.

أعرف هذا لأنني درست التأثير الفعلي الذي تخلفه قرارات المحكمة العليا على القدرة على الوصول إلى الإجهاض لأربعة عقود من الزمن. بين القرار في قضية رو وعام 2017 (العام الأخير الذي تتوفر عنه أرقام يمكن التعويل عليها) أجريت أكثر من 58 مليون عملية إجهاض في الولايات المتحدة. تشير تقديرات معهد غوتماتشر، الذي يجمع ويسجل بيانات الإجهاض الأكثر جدارة بالثقة، إلى أن واحدة من كل أربع نساء أمريكيات ستخضع لعملية إجهاض على مدار سنوات قدرتها على الإنجاب. على ضوء هذه الأرقام، ليس من المستغرب أن يدعم ما يقرب من ثلثي الأمريكيين الاحتفاظ بالحق في الحماية الدستورية التي وفرها القرار في قضية رو.

إذا أُبـطِل القرار الصادر في قضية رو، فسوف تسارع ولايات عديدة إلى فرض قيود صارمة أو حظر كامل على الإجهاض. تتبنى ثلاث عشرة ولاية ما يسمى "قوانين التسبب" التي ستدخل حيز التنفيذ تلقائياً، وسوف تتحرك اثنتا عشرة ولاية أخرى على الأقل لإقرار تشريعات جديدة على الفور تقريباً. ومع ذلك، تُـظـهِـر عشرات السنين من البيانات أن هذه القيود الجديدة لن تمنع النساء في هذه الولايات من إنهاء الحمل غير المرغوب.

لكن إبطال القرار الصادر في قضية رو لن يفشل في إنهاء الإجهاض فحسب. إن التهرب الجماعي من القيود التي تفرضها الولايات من قِـبَـل مئات الآلاف من النساء في كل عام من شأنه أن يجعل القانون مثاراً للسخرية. الواقع أن عشرات الآلاف من النساء يسافرن بالفعل عبر حدود الولايات كل عام لتأمين الوصول إلى خدمات الإجهاض، وتعمل عيادات الإجهاض في ولايات مثل كاليفورنيا وإيلينوي ونيويورك بالفعل على جمع الأموال ووضع الخطط لخدمة المريضات من خارج الولاية.

علاوة على ذلك، نجد أن قائمة متزايدة الطول من الشركات الكبرى ــ بما في ذلك أمازون، وأبل، وسيتي جروب، وتيسلا ــ تعتبر مساعدات السفر لغرض الرعاية الطبية جزءاً من المزايا التي تقدمها لموظفيها. وتفكر بعض الولايات حيث سيظل الإجهاض قانونياً في توفير الأموال لتزويد النساء من الولايات التي تقيد الإجهاض بالدعم المالي.

رداً على ذلك، تُـهَـدد بعض الولايات المناهضة للإجهاض بتجريم عبور النساء حدود الولايات طلباً للإجهاض أو مساعدتهن على القيام بذلك. ولكن كيف يتسنى لحكومة أي ولاية تطبيق مثل هذه القوانين؟ هل توقف الشرطة كل سيارة تعبر حدود الولاية؟ هل تحاول ولايات تسليم سكان الولايات الأخرى الذين يساعدون النساء في الحصول على الإجهاض القانوني؟ حتى لو حاولت، فهل يُـصـدِر المحلفون قرارات إدانة؟ نظراً لدعم الأغلبية الشعبية للوصول إلى الإجهاض، من الصعب أن نتخيل تمكن الولايات المناهضة للإجهاض من تحقيق قدر كبير من النجاح في منع النساء من السفر لإنهاء حملهن.

أما النساء اللاتي يعجزن عن تحمل تكاليف السفر إلى مكان آخر، فقد يظل بوسعهن أيضاً الحصول على عمليات إجهاض آمنة، وإن كانت غير قانونية. شهد العقد الأخير زيادة كبيرة في حالات "الإجهاض الدوائي"، حيث تُـجرى عمليات إنهاء الحمل غير المرغوب ببساطة عن طريق تناول عقارين، الميفيبريستون والميزوبروستول. وجدت إدارة الغذاء والدواء أن هذين العقارين آمنان وفعالان في حالة تناولهما في غضون الأسابيع العشرة الأولى من الحمل. وعلى هذا فإن أكثر من نصف جميع عمليات الإجهاض في الولايات المتحدة اليوم تُـجرى باستخدام الأدوية.

ورغم أن بعض الولايات قد تجعل الحصول على هذه العقاقير واستخدامها مخالفاً للقانون، فإن الإجهاض الدوائي يحدث غالباً في منازل النساء في جو من الخصوصية. والأقراص متوفرة إما عن طريق الأطباء أو عيادات الإجهاض في الولايات، حيث يحظى الإجهاض بالحماية، من خلال التطبيب عن بُـعـد حيثما كان ذلك مسموحاً به، أو عن طريق البريد من بلدان أخرى. بالإضافة إلى تشجيع انتهاك القانون، سيؤدي إبطال القرار الصادر في قضية رو إلى إضعاف الديمقراطية، لأن الحظر الذي تفرضه الولايات على الإجهاض سيفرض عبئاً كبيراً غير متناسب على النساء الفقيرات، من ذوات البشرة الملونة في أغلب الأحيان. ربما تفتقر النساء من مثل هذه الفئات إلى الوقت والموارد اللازمة لتأمين رعاية الأطفال، أو السفر إلى ولاية أخرى، أو ترتيب أماكن الإقامة، أو الحصول على أقراص الإجهاض، أو دفع تكاليف خدمات الإجهاض. وسوف تجعل المحكمة العليا حياة أكثر النساء ضعفا في المجتمع الأمريكي أشد صعوبة، مما يعزز الاعتقاد المتزايد بأن النظام يعمل لصالح الأثرياء فقط.

 

طباعة Email