أمريكا والصين.. منافسة مجدية و«عادلة»

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تُـعَـد الولايات المتحدة والصين من الدول الرائدة في تطوير العديد من التكنولوجيات القادرة على دفع النمو العالمي. لكن مدى نجاح هذه التكنولوجيات في الاضطلاع بهذه المهمة يعتمد، في المقام الأول، على أهدافها الأساسية.

مثل الشركات الرائدة في مجالات الابتكار والإبداع داخل أي اقتصاد، ربما يكون الهدف الأساسي الهيمنة التكنولوجية، أي إنشاء ريادة تكنولوجية واضحة ومستمرة والحفاظ عليها. لتحقيق هذه الغاية، قد يحاول بلد ما تسريع عجلة الإبداع داخلياً وإعاقة أكبر منافسيه، كحرمانه من الوصول إلى المعلومات، ورأس المال البشري، ومدخلات أخرى رئيسية، أو الأسواق الخارجية.

يقوم هذا السيناريو على المنافسة الاستراتيجية الضارة، فهو يعمل على تقويض التقدم التكنولوجي في كل من البلدين، وفي الاقتصاد العالمي بأسره في واقع الأمر، وخاصة من خلال الحد من حجم السوق المتاحة في الإجمال. ما يزيد الأمور سوءاً على سوء أنه يخدم هدفاً قد لا يكون من الممكن تحقيقه في الأمد البعيد. كما أظهرت دراسات حديثة عديدة، تلحق الصين بسرعة بالولايات المتحدة في العديد من المجالات.

بات من المقبول على نطاق واسع الآن أن تتسم العلاقة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين بتركيبة من التعاون الاستراتيجي والمنافسة الاستراتيجية. لا شك أن التعاون الاستراتيجي موضع ترحيب إلى حد كبير، لأن معالجة التحديات المشتركة، من تغير المناخ والجوائح إلى تنظيم التكنولوجيات المتطورة، تتطلب مشاركة أكبر اقتصادين في العالم. لكن التنافس الاستراتيجي يُـنـظَـر إليه عادة على أنه احتمال مقلق، بل وربما حتى يشكل تهديداً. هذه ليست الحال بالضرورة.

يعكس القلق بشأن المنافسة الصينية الأمريكية، وخاصة في المجال التكنولوجي، اعتقاداً على الجانبين مفاده أن النهج القائم على الأمن القومي، الذي ينتهي في الأغلب إلى خاسر صافٍ وفائز صافٍ، حتمي ولا مفر منه.

في واقع الأمر، هناك أشكال حسنة وأخرى رديئة من المنافسة الاستراتيجية. لكي نفهم الفوائد المترتبة على المنافسة الحسنة، وكيف يمكن جنيها، ما علينا إلا أن نتأمل في الكيفية التي تعمل بها المنافسة على تغذية الإبداع والابتكار داخل الاقتصادات.

بحسب ديناميكيات شومبتر، تكتسب الشركات التي أنتجت إبداعات وابتكارات ناجحة بعض القوة السوقية الانتقالية التي توفر عائداً على الاستثمار. لكن مع استمرار آخرين في الإبداع والابتكار، تتآكل مزايا الجولة الأولى للمبدعين، وتستمر دورة المنافسة والتقدم التكنولوجي.

للحفاظ على المنافسة، وكل الفوائد البعيدة المدى المترتبة على الإبداع والنمو، يتعين على الحكومات أن تبتكر مجموعة من القواعد التي تمنع أو تثبط السلوك المعادي للمنافسة. تأتي هذه القواعد كجزء أصيل من سياسة مكافحة الاحتكار أو المنافسة، وفي الأنظمة التي تعين حدود حقوق الملكية الفكرية.

عندما تكون الهيمنة التكنولوجية غير مرجحة في الأمد البعيد، ربما تسعى البلدان إلى تحقيق هدف أكثر عملية وربما يكون مفيداً. من منظور الولايات المتحدة يتلخص هذا الهدف في عدم التخلف عن الركب، أما من منظور الصين، فيتمثل الهدف في إكمال عملية اللحاق بالركب في مجالات حيث لا تزال متأخرة. في هذا السيناريو، تتنافس كل من الصين والولايات المتحدة من خلال الاستثمار بكثافة في الأسس العلمية والتكنولوجية التي يقوم عليها اقتصادها.

هذا لا يعني استبعاد السياسات التي تهدف إلى زيادة مستوى الاكتفاء الذاتي والقدرة على الصمود. على العكس من ذلك، مع تدهور الثقة بين البلدان وتكاثر الصدمات الجهازية، لم يعد الاقتصاد العالمي المنفتح تماماً، حيث تكون الكفاءة والميزة النسبية بين الاعتبارات الـمُـحَـدِّدة، خياراً وارداً. وبالفعل، يُـعـاد الآن تشكيل وترتيب سلاسل التوريد العالمية والاستثمارات والتدفقات المالية، مع انحياز نحو الشركاء التجاريين الذين يمكن التعويل عليهم، وقد ابتكرت كل من الصين والولايات المتحدة استراتيجيات موجهة نحو المرونة والقدرة على الصمود.

الواقع أن التنويع في حد ذاته ليس موقفاً سياسياً مناهضاً للمنافسة. تتضمن استراتيجيات الصين مثل «صُـنِـع في الصين 2025» واستراتيجية التداول المزدوج بنوداً لتعزيز براعة التكنولوجيا الصينية، والعمل في الوقت ذاته على تقليل الاعتماد على التكنولوجيات والمدخلات الأجنبية، بل وحتى الطلب الأجنبي. على نحو مماثل، يسعى القانون الأمريكي الثنائي الحزبية لخلق فرص التصنيع، والتفوق التكنولوجي، والقوة الاقتصادية لعام 2022 (America COMPETES Act) على تعزيز قدرات الولايات المتحدة العلمية والتكنولوجية ودعم سلاسل توريدها، وخاصة من خلال تقليل الاعتماد على الواردات من الصين. ورغم أن مشروع القانون لم يتخذ بعد هيئته النهائية، فمن الممكن جعل بنوده متوافقة إلى حد كبير مع المنافسة الاستراتيجية الحسنة.

المنطقة الوحيدة التي تكون فيها المنافسة الحسنة مستحيلة هي مسائل الأمن القومي، والدفاع، والقدرات العسكرية.

يتمثل الخطر الحالي في العدد الكبير من التكنولوجيات التي ستعتبر وثيقة الصلة بالأمن القومي فيجري إخضاعها بالتالي لقواعد المحصلة الصفرية، حيث الفائز الخالص والخاسر الخالص. هذا النهج من شأنه أن يخلف تقريباً التأثير نفسه المترتب على السعي المضلل إلى تحقيق الهيمنة التكنولوجية والحفاظ عليها، مما يؤدي إلى تآكل الفوائد الاقتصادية المترتبة على المنافسة.

*حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وهو أستاذ فخري في جامعة ستانفورد وكبير زملاء مؤسسة هوفر.

طباعة Email