قبل عشرين عاماً، بينما كنت أقف في طابور الكافيتريا في جامعة هارفارد، سمعت مصادفة أحد الطلاب يقول لآخر: «إنه الـمُـعادِل الأخلاقي للهولوكوست!» تساءلت: تُـرى عن أي شيء يتحدث؟ أهي الإبادة الجماعية في رواندا؟ أهي حقول القتل في كمبوديا؟ أو الحكومات العسكرية في أمريكا الجنوبية التي كانت تجعل المعارضين «يختفون» بإلقائهم إلى المحيط من طائرات الهليكوبتر؟ في النهاية، جاءت الإجابة: تناول اللحوم هو الـمعادل الأخلاقي للهولوكوست (المحرقة)، والبيروقراطيون في هارفارد هم الطرف المذنب، لأنهم لا يعملون على توفير ما يكفي من الخيارات النباتية vegetarian أو النباتية الخالصة vegan (الخالية حتى من أي منتجات مصدرها حيواني، مثل البيض والألبان).
تذكرت تلك اللحظة عندما كنت أشاهد مقاطع فيديو لقذائف ودمار الحروب.
في السنوات الأخيرة، كان العديد من المواطنين الشباب في الديمقراطيات الغنية يعيشون حالة من الحزن والانقباض إزاء فضائل الديمقراطية والليبرالية. بدلاً من الكفاح من أجل البقاء، كانوا يتناوشون حول الضمائر في اللغة. وبدلاً من الخوف من أن يسحبهم من فراشهم في منتصف الليل رجال مسلحون بسبب شيء قالوه في حافلة، كان أكثر ما يخشونه هو أن يتسبب خطأ في النطق في الفصل الدراسي في إكسابهم الخزي والعار في وسائط التواصل الاجتماعي.
ولكن يبدو أن الفظائع التي ترتكب الآن أعادت كل شيء إلى نصابه الصحيح. صحيح أن العديد من البلدان الغربية ماضيها استعماري وحاضرها عنصري. وصحيح أن اتساع فجوات التفاوت في الدخل في بعض هذه البلدان تسبب في تجويف الطبقة المتوسطة وخيانة الوعد بتكافؤ الفرص للجميع. ولكن برغم أوجه القصور التي تعيب الديمقراطيات في كثير من الأحيان، فإنها لا ترهب شعوبها أو ترسل الدبابات لإخضاع دول ديمقراطية مجاورة.
علاوة على ذلك، فإن الحياة في الديمقراطيات الليبرالية ــ التي تنتشر الآن في أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية، فضلاً عن مساحات شاسعة من أفريقيا وآسيا، وليس فقط في الغرب القديم ــ أقل تعقيداً ووحشية وقِـصَـراً من أي وقت مضى. كانت الليبرالية دوماً «مغامرة أخلاقية»، حسب عبارة آدم جوبنيك الـمُـحبَّـبة، لأنها تسعى إلى جعل العالَـم «أقل قسوة» من خلال «توسيع الحق في الوصول إلى نطاق أوسع من الملذات والإمكانات ليشمل أناساً آخرين»، وتنجح في مسعاها غالباً.
من منظورنا نحن الذين نشأنا في ظل أنظمة دكتاتورية، حيث كان بوسع سُـفهاء أن يسحبوك من فراشك في منتصف الليل، كانت مثل هذه الحقائق تبدو بديهية إلى حد السَـخَـف. والآن جاءت تذكرة بوتين بذلك الماضي على هذا النحو المؤلم ــ لكل من يحتاج إلى تذكرة ــ لتعيد تشكيل السياسة العالمية.
لم يكن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب الحاكم الشعبوي السلطوي الوحيد الذي وقع في الحرج بسبب صلاته بالرئيس الروسي بوتين. فبوسعنا أن نجد ساسة ألحقوا العار بأنفسهم من أنقرة إلى زغرب. بينما تستعد زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان لخوض الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في فرنسا في العاشر من أبريل في محاولة للإطاحة بالرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، لا بد أن القائمين على حملتها يتعقبون بشكل محموم ــ ويحاولون الآن نفي وتفنيد ــ كل لفظة مديح أو ثناء بغيضة وجهتها رئيستهم ذات مرة إلى رجل الكرملين القوي.
الآن، ستواجه سياسات الهوية الانقسامية القائمة على الدم والتربة تحدياً واضحاً من قِـبَـل جديلة متضافرة نبيلة ــ وعالمية بشكل متزايد ــ من سياسات الهوية القائمة على القيم الليبرالية المتمثلة في الحرية، والكرامة، واحترام حقوق الإنسان.
* مرشح الرئاسة ووزير المالية في شيلي سابقاً، ويشغل حالياً منصب عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
