خلال العقد الماضي اكتسب الاستثمار من منظور المساواة بين الجنسين اهتماماً ملحوظاً من المستثمرين المؤثرين الذين يسعون إلى تعزيز تمكين المرأة.
لكن مثل هذه الاستراتيجيات تتعلق بما هو أكثر من مجرد النهوض بمصلحة اجتماعية بحد ذاتها، حيث أثبتت التجارب أن الاستثمار في المؤسسات المتنوعة جنسانياً والنشاطات التجارية التي تمتلكها النساء والشركات التي تختص باهتمامات المرأة واحتياجاتها يؤدي لعوائد مالية كبيرة.
إن مثل هذه الفائدة المزدوجة تمثل فرصة سانحة لجميع أنواع المستثمرين، وليس فقط أولئك الذين يركّزون على التأثير الاجتماعي.
ولكن الخرافات والتصورات المغلوطة لا تزال تحد من إمكانية نمو الاستثمار من منظور المساواة بين الجنسين ومن أكثر خمس خرافات شيوعاً هي أن دمج المرأة وتمكينها هي فقط قضية اجتماعية، وليست قضية اقتصادية، وفي واقع الأمر فإنّ الأدلة من العقد الماضي تشير بوضوح إلى أن الاستثمار بالنساء كزبائن وكقوة عاملة يعتبر أمراً جيداً للنشاطات التجارية والاقتصاد.
إن الخرافة الثانية هي أن الاستثمار من هذا المنظور لن يؤدي إلى عوائد بأسعار السوق للمستثمرين من القطاع الخاص، ومرة أخرى هناك أدلة متزايدة على العلاقة المباشرة بين وجود تنوع (رجل أو امرأة)، أكبر، وبين التفوق في الأداء المالي.
وعلى الرغم من أن رائدة الأعمال تحصل بالمعدل على رأس مال استثماري يصل إلى 935000 دولار أمريكي مقارنة بمبلغ 2.1 مليون دولار أمريكي للرجل العادي، تحقق الشركات التي أسستها نساء ضعف عائدات كل دولار يتم استثماره مقارنة بالشركات التي أسسها رجال.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الشركات ذات التمثيل النسائي القوي في مجالس إدارتها من المرجح أن تتفوق بنسبة %28 على نظيراتها، كما أن التنوع بهذا الصدد في ما يتعلق بفرق العمل التنفيذية يزيد من فرصة التفوق بنسبة %25.
إن الخرافة الثالثة تتعلق بعدم وجود مشاريع مناسبة كافية لجعل الاستثمار من هذا المنطلق استراتيجية استثمارية ناجحة.
إن هذا الطرح يعكس عدم وضوح الرؤية وليس نقص العرض، ولحسن الحظ فإن المبادرات من قطاع الاستثمار بدأت بتسليط الضوء على فرص الاستثمار في المساواة بين الجنسين على مستوى العالم، وعلى سبيل المثال وفي سنة 2018 أطلقت مؤسسات تمويل التنمية التابعة لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى تحدي 2 إكس.
والذي يهدف لجمع مبلغ 3 مليارات دولار أمريكي من أجل المساعدة في تمكين النساء في الدول النامية.
بالإضافة إلى ذلك وطبقاً لمؤسسة بروجيكت سايج 4، فإن عدد الصناديق التي تقوم بتقديم رؤوس الأموال من هذا المنظور قد ارتفع من 58 سنة 2017 إلى 206 سنة 2021 وطبقاً لتقديرات متحفظة فإنه قد تم جمع 6 مليارات دولار أمريكي من إجمالي رؤوس الأموال للصناديق ذات التخصص ابتداءً من منتصف 2021.
وخلال النصف الأول من سنة 2021 تمكنت الشركات التي أسستها نساء في الولايات المتحدة الأمريكية من جمع رأس مال استثماري أكبر مقارنة بأي وقت مضى في العقد الماضي. إن من الواضح أنه لا يوجد نقص في المشاريع المناسبة، والتي قد تتطلب جهوداً حثيثة من أجل إيجادها.
إن الخرافة الرابعة هي أن التركيز على نوع الجنس غير مهم لنجاح الشركة من الناحية العملياتية، وهذا الادعاء يتناقض مع حقيقة أن العملاء من النساء يشكلن سوقاً محتملة هائلة وهي سوق قد تشكل حوالي 15 تريليون دولار من الإنفاق الاستهلاكي العالمي بحلول عام 2028 ويقدّر تقرير كريدي سويس لعام 2018 أن النساء يمثلن ما يقرب من %40 من الثروة العالمية، وهو ما يمثل فرصة غير مستغلة إلى حد كبير لتحقيق عوائد مالية واجتماعية.
إن وجود التزام داخلي قوي بالموظفين والقادة من النساء يمكن أن يؤدي كذلك لخلق قيمة للعملاء من النساء وطبقاً لمؤسسة البحث كوكال فإن احتمالية أن تفهم الفرق الزبائن المستهدفين تزيد بنسبة 158 % عندما يمثل أعضاؤها تلك المجموعات.
كما وجدت الدراسة نفسها أن الشركات التي لديها قوة عاملة وقيادة متنوعة قد زادت من احتمالية توسيع حصتها السوقية بنسبة %45 والوصول لسوق جديد بنسبة %70 في العام الماضي.
أخيراً، إن من الخرافة القول إن الاستثمار من منظور هو على أساس الجنسين أضيق من أن يكون قابلاً للتطبيق، وطبقاً للتعريف فإن الاستثمار من المنظور الجنساني يعتمد على مجموعة مختلفة من استراتيجيات التمويل.
وذلك لأن الاعتبارات الجنسانية يمكن دمجها في جميع جوانب العملية الاستثمارية ووضعها ضمن الاستراتيجيات القائمة، ولهذا السبب فإن هناك أعداداً متزايدة من المستثمرين المؤثرين يساعدون في بناء دراسة الجدوى المتعلقة بالاستثمار من منظور كهذا.
على الرغم من الجاذبية والشعبية المتزايدة للاستثمار بالصدد، وعلى الرغم من وجود أدلة متزايدة تدعم فوائده الاجتماعية والاقتصادية، فإن المجال لا يزال صغيراً مقارنة باستراتيجيات التأثير الأخرى، ولكنّ هناك فرصاً كبيرة للبناء على الإمكانات المالية والاجتماعية للاستثمار من منظور جنساني.
إن إنشاء 2 إكس كولابوراتف وهي مجموعة عالمية في قطاع الاستثمار تضم طيفاً واسعاً من المستثمرين للترويج للاستثمار من منظور كهذا يظهر أن الزخم يتزايد، ومن خلال دحض الخرافات والمفاهيم الخاطئة يمكننا تشجيع المزيد من المستثمرين ذوي التأثير الاجتماعي - والمستثمرين التقليديين - على دمج الاعتبارات بهذا السياق في مخصصاتهم المتعلقة بالتمويل.
* مديرة الاستثمار في إدارة الأصول المصرفية العالمية للمرأة.
** رئيس البيئة والمناخ والسياسة الاجتماعية في بنك الاستثمار الأوروبي.


