ُعد عودة التضخم بمثابة صدمة اقتصادية هائلة. لم يعد بوسع الحكومات السعي وراء حل المشكلات من خلال إنفاق الأموال لتحقيق ذلك. يتعين على السياسة الاقتصادية الآن تحويل اهتمامها نحو الإمدادات والكفاءة الاقتصادية.
إن المسألة أكبر وأعمق من التأخر في تسليم السلع والزيادات الحادة في الأسعار. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2000، سجل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي (المعدل حسب التضخم) نمواً سنوياً بلغ %2.3، من 14.171 دولاراً إلى 44.177 دولاراً (بقيمة الدولار في عام 2012). أصبح الأمريكيون أكثر صحة، وعاشوا فترة أطول، وساهموا في خفض معدل الفقر، ودفعوا ثمن بيئة أنظف بكثير ومجموعة واسعة من البرامج الاجتماعية. ولكن منذ عام 2000، انخفض معدل النمو هذا في مرحلة ما بعد الحرب بمقدار النصف تقريباً، لكي يصل إلى %1.4 سنوياً. يُعد الوضع أسوأ في كندا وأوروبا، حيث لم تحقق العديد من البلدان نمواً على الإطلاق منذ عام 2010 على أساس نصيب الفرد.
وفيما يتعلق بازدهار البشرية، لا شيء يهم أكثر من النمو الاقتصادي طويل الأجل. لذلك، لا يوجد اتجاه اقتصادي أكثر إثارة للقلق من انخفاض معدل النمو بمقدار النصف، وخاصة بالنسبة لرفاه الفئات الأقل حظاً.
إن اندلاع موجة التضخم يحسم نقاشاً طويلاً. إن النمو البطيء ليس نتيجة «الركود المادي» القائم على الطلب، والذي يمكن إصلاحه فقط من خلال الحوافز المالية والنقدية الضخمة. إن النمو البطيء هو مشكلة الإمداد. نحن بحاجة إلى سياسات لزيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد - إما بشكل مباشر أو عن طريق خفض التكاليف.
كيف يمكن تحقيق هذا الأمر؟ إن أبسط وأهم شيء تستطيع الحكومات القيام به هو التنظيم الحصيف والفعالية. تعمل الأنظمة البيزنطية والسلطات التنظيمية المُتقلبة على عرقلة الأعمال التجارية. نحن لا نحتاج إلى إلغاء الضوابط التنظيمية غير المدروسة، بل نحن في حاجة إلى تنظيم أكثر ذكاءً وبساطة وفعالية يعمل على تجنب الصعوبات والعواقب غير المقصودة، يهدف لحماية المشاريع الحالية ودعم الإمبراطوريات التنظيمية. وهذا يعني إضافة شروط الآجال المُحددة إلى اللوائح، وإعادة تقييم التدابير القائمة بانتظام، وإقرار الحق في الاستئناف الخارجي.
تحتاج الولايات المتحدة إلى الهياكل الأساسية. إن المال ليس المشكلة الأساسية. تكمن المشكلة في أن بناء أي شيء في أمريكا أصبح شبه مستحيل، نظراً لحجم الأنظمة والدعاوى القضائية التي من شأنها أن توقف أو تزيد من تكاليف أي مشروع.
بداية، يجب إلغاء قانون جونز، وهو قانون صدر عام 1920 والذي يشترط على جميع شركات الشحن داخل الولايات استخدام السفن البحرية التجارية الأمريكية الباهظة التكاليف (وهو في الممارسة العملية «قانون الإرسال بواسطة الشاحنات»). ويتعين إلغاء قانون «ديفيس بيكون» والقوانين ذات الصلة، التي تزيد عمداً من تكاليف بناء الطرق السريعة. ويجب إصلاح قانون السياسة البيئية الوطنية، الذي يسمح للناس برفع دعاوى قضائية لوقف وتأجيل المشاريع لأسباب بيئية مضللة. إصلاح اللجنة التنظيمية النووية. في الواقع، لم يتم بناء أي محطة نووية جديدة منذ تأسيس اللجنة التنظيمية النووية في عام 1975.
تعمل التدابير الحمائية على الحد من الإمدادات.
تخلق تكاليف الإسكان المرتفعة في الولايات الأمريكية التي تتمتع بالوظائف الجيدة حواجز أمام الفرص وتجبر الناس على القيام برحلات يومية طويلة تساهم في زيادة الازدحام ونسبة الانبعاثات. إن السبب واضح للغاية: تجعل القيود المفروضة على استخدام الأراضي وتقسيم المناطق وقوانين البناء من المستحيل البناء بكثافة أو تجعله مُكلفاً جداً. تُساعد ضوابط الإيجار المستأجرين اليوم على حساب الملاكين الحاليين، ولكنها أيضاً تحرم الوافدين الجدد من الفرص، ولاسيما الفئات الفقيرة، وتدمر رصيد المساكن المُستأجرة.
علاوة على ذلك، يُشكل فشل المدارس العامة في أمريكا عائقاً آخر أمام الفرص والقدرة الإنتاجية. مرة أخرى، ليس المال هو المشكلة: فعلى الصعيد الوطني، تنفق المدارس من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر ما متوسطه 13.000 دولار لكل طالب.
إن العديد من الأمريكيين لا يعملون ولا يبحثون عن عمل. ليس بسبب نقص الوظائف. إن أرباب العمل يتوسلون الناس للعمل.
تتسم قوانين ولوائح العمل بالزيادة في التكاليف والعوامل المُثبطة. كما تغطي اللوائح التفصيلية ساعات العمل والجدولة الزمنية والاستحقاقات الإلزامية وغير ذلك. تؤدي عوامل مثل شروط الترخيص المهني، والنقابات، وأعباء الامتثال التنظيمي، وضرائب الرواتب والدخل، إلى زيادة تكاليف التوظيف.
إن الولايات المتحدة بحاجة إلى عُمال. تحتاج البلاد إلى سائقي الشاحنات ومقدمي رعاية الأطفال والمعلمين والممرضات وعمال البناء. كما تحتاج إلى رجال الأعمال. إنها بحاجة إلى دافعي الضرائب لتمويل دولة الرفاهية المفلسة. كل هؤلاء العمال يقفون عند الحدود. يُعد إصلاح نظام الهجرة الذي يزيد من المهاجرين لأسباب اقتصادية سياسة أمراً رئيسياً.
ولزيادة الإيرادات مع الحد الأدنى من التشوهات الاقتصادية، يجب أن تتضمن الضرائب معدلات هامشية منخفضة، وقاعدة عريضة، وبساطة، وإمكانية التنبؤ. لا يعمل النظام الأمريكي على تحقيق هذا الأمر.
تُعد الرعاية الصحية والتأمين الصحي في الولايات المتحدة من مهام الحكومة. ومن شأن الإصلاحات الموجهة نحو السوق أن تعمل على خفض التكاليف وتحسين الأداء. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إنفاق المزيد من الأموال لحل المشكلة.
لا يزال هناك أمل. يدرك التقدميون المشكلة بشكل خاص. وبتحفيز من الحركة المؤيدة للتنمية باسم «ييمبي» وهو اختصار لعبارة («نعم، في ساحتي الخلفية»)، بدأت حتى كاليفورنيا في اتخاذ إجراءات صارمة ضد قيود تقسيم المناطق التي تحظر بناء المساكن ورفع الأسعار لإبعاد الفقراء عن المناطق التي تتمتع بفرص اقتصادية. قامت إدارة أوباما في وقت مبكر بانتقاد الترخيص المهني وتقسيم المناطق.
وفي الوقت الحالي، تُعد «الاستراتيجية الشاملة» التي تتبناها إدارة بايدن للتركيز على «اقتصاديات جانب العرض الحديثة» مجرد إعادة تسمية لمشروع قانون «البنية التحتية» الذي يواجه الكثير من الصعوبات والتوسع غير المدروس لإعادة بناء دولة الرفاهية بشكل أفضل. ومع ذلك، فإنهم بذلك يدركون المشكلة. وقد يتبع هؤلاء، أو من يخلفهم، استراتيجيات فعالة.
* زميل أقدم في معهد هوفر.
** طالب دكتوراه في الاقتصاد بجامعة ستانفورد وزميل باحث في مؤسسة الأبحاث حول تكافؤ الفرص.


