مخاطر سياسة التدرّج في الاحتياطي الفدرالي

ويليم إتش بويتر

ت + ت - الحجم الطبيعي

خلال هذا القرن حتى الآن، كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي متدرجاً بلا هوادة في ما يتعلق برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية. إذ منذ رفع سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في مايو 2000، زاد الاحتياطي الفيدرالي من مستوى هدف سياسته (النطاق المستهدف الآن) بمقدار لا يتجاوز 25 نقطة أساس في كل مرة. ولم يكن الحال هكذا على الدوام. إذ بعد الانتقال إلى استهداف الأسعار في أواخر عام 1982، رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بنسبة تزيد على %1 في إحدى المرات، و75 نقطة أساس ثلاث مرات أخرى، و50 نقطة أساس في تسع مرات أخرى.

وبالمقابل، خلال الفترة الممتدة من يونيو 2003 إلى يونيو 2006، وهي الفترة التي سبقت الأزمة المالية التي استمرت من 2007 إلى 2009، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر فائدته من 1 % إلى 5.25 % من خلال 17 زيادة مقررة بمقدار 25 نقطة أساس في كل واحدة. وفي أحدث دورة للزيادة، وهي تلك التي بدأت في ديسمبر 2015، ارتفع الحد الأعلى للنطاق المستهدف للاحتياطي الفيدرالي تسع مرات بمقدار 25 نقطة أساس في كل مرة، حيث ارتفع من %0.25 ليصل إلى ذروة %2.5 في ديسمبر 2018.

ولكن بنك الاحتياطي الفيدرالي لم يتجه نحو خفض أسعار الفائدة تدريجياً. إذ منذ أغسطس 2019، اتجه بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى حد أدنى فعلي بنسبة %0.25 مع ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، تلاه تخفيض بنسبة 50 نقطة أساس في اجتماع غير مجدول في 3 مارس 2020، و100 نقطة أساس أخرى في اجتماع ثانٍ لم يسبق تحديد موعد له في 15 مارس 2020.

الآن وبعد أن بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي مرة أخرى يدرس سياسة نقدية أكثر تشدداً، هل يجب أن يعتمد نفس التدرج الذي اتبعه على مدى العقدين الماضيين؟

تشير أحدث أرقام التضخم إلى أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك. فمنذ يناير 2022، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 7.5 % على أساس سنوي، مع وصول التضخم الأساسي (باستثناء الغذاء والطاقة) إلى 6 %. وكانت نفقات الاستهلاك الشخصي في ديسمبر 2021 أعلى بنسبة 5.8 % مما كانت عليه في ديسمبر 2020، حيث بلغ معدل التضخم الأساسي 4.9 %. وعلى نطاق المقاييس التسعة للتضخم الأساسي التي يتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، تراوحت الزيادات السنوية اعتباراً من يناير 2022 ما بين %3.1 إلى %6. وارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 5.7%.

إذاً أين يجب أن يكون معدل السياسة النقدية، وما مدى السرعة التي يجب أن يتحرك بها بنك الاحتياطي الفيدرالي لتحقيقه؟ إن نقطة البداية الجيدة هي معدل السياسة المحايدة- وهي نقطة التقاء معدل الأموال الفيدرالية مع مستوى التضخم المستهدف والعمالة الكاملة. والتقدير المعقول للمعدل المحايد هو 2.5%، وهو أيضاً تقدير الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية على المدى الطويل. ويجب أن يكون معدل السياسة أعلى (أو أقل) من المعدل المحايد إذا كان التضخم أعلى (أو أقل) من الهدف، وإذا كان معدل البطالة أقل (أو أعلى) من معدل البطالة «الطبيعي» أو معدل البطالة المتوازن.

وإذا أخذنا حتى أكثر التقديرات تحفظاً، نخلص إلى أن التضخم حالياً أعلى من الهدف المحدد بنسبة %1.1، ولم يعد من الممكن القول بأنه «مؤقت»- نتيجة للتأثيرات الأساسية، وصدمات الإمداد العكسية المؤقتة (بما في ذلك اضطرابات سلسلة التوريد)- والطفرات قصيرة المدى في أسعار الطاقة والسلع الأخرى. ويزيد معدل البطالة الذي بلغ (%4) في شهر يناير 2022 بقليل عن أدنى مستوى له قبل كوفيد (%3.5)، وتراجعت العمالة غير الزراعية بنسبة %1.9 مقارنة بمستواها قبل الوباء في فبراير 2020.

ومع ذلك، فإن البراهين الواقعية على البطالة- تزايد عدد الوظائف الشاغرة وارتفاع معدلات ترك الوظائف- تدعم وجهة النظر القائلة بأن عدم التوافق الهيكلي والبطالة الجزئية قد ازداد، وأن الاقتصاد الآن عند مستوى التوظيف الكامل أو أعلى قليلاً. وعلى أي حال، عاد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل حسب التضخم) إلى اتجاهه قبل (كوفيد 19). ويتماشى ذلك مع الاقتصاد الذي يعمل بكامل قدرته أو فوق طاقته، لأنه يجب أن يأخذ المرء في الحسبان الآثار السلبية الدائمة المحتملة لـ(كوفيد 19)، والجرائم الإلكترونية، وتغير المناخ، والتركيبة السكانية، وانحسار العولمة، على الناتج المحتمل. ومن ثم، فإن السعي وراء التفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي- الأسعار المستقرة وتحقيق الحد الأقصى لتشغيل العمالة- يتطلب استهداف سعر للأموال الفيدرالية يكون أعلى بكثير من %2.5.

لنفترض، بتحفظ، أن الحد الأدنى للنطاق المستهدف يجب ألا يقل عن %3.5. إن معدل الفائدة بنسبة %3.5 على الأموال الفيدرالية لا يشكل تهديداً للاستقرار المالي، إذا كانت هناك سيولة تمويل كافية للمؤسسات المالية ذات أهمية بالنسبة للنظام، وسيولة سوقية كافية للأدوات المالية ذات أهمية بالنسبة للنظام. لقد عاشت الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي حياة مريحة لسنوات عديدة مع معدل تمويل فدرالي أعلى بصورة ملحوظة

وسيحذر بعض المعلقين من أن الزيادة السريعة غير متوقعة في معدل الفائدة يمكن أن تهدد الاستقرار المالي في الولايات المتحدة وخارجها- خاصة في الأسواق الناشئة، حيث يتحمل الوكلاء في القطاع العام والخاص على حد سواء ديوناً كبيرة مقومة بالدولار، وغالباً ما تكون قصيرة الأجل. ولكن الأزمات المالية ليست ناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة أو الارتفاع السريع في أسعار الفائدة؛ بل هي ناتجة عن نقص في سيولة التمويل وسيولة السوق.

لذلك، ليس لدي سوى مخاوف محدودة بشأن التأثير المحلي للتسلسل السريع لارتفاعات الأسعار- على سبيل المثال، زيادة قدرها 150 نقطة أساس في مارس تليها زيادتان متتاليتان بمقدار 100 نقطة أساس في الاجتماعات المقبلة والمنتظمة للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. وإذا اقتضى الأمر، يعرف الاحتياطي الفيدرالي الآن كيف يوفر سيولة التمويل بصفته مقرض الملاذ الأخير، وكيف يوفر سيولة السوق بصفته صانع السوق الملاذ الأخير.

إن التداعيات الدولية السلبية للارتفاع السريع لأسعار الفائدة هي أكثر مدعاة للقلق. إذ لا تغطي مقايضات العملات الثنائية التي يقوم بها بنك الاحتياطي الفيدرالي العديد من الأسواق الناشئة والدول النامية المعرضة للخطر مالياً، كما أن صندوق النقد الدولي لديه موارد محدودة ليكون مقرضاً عالمياً يلجأ إليه كملاذ أخير. وبسبب هذه القيود، سيكون من المنطقي متابعة دورة تضييق أبطأ قليلاً، على سبيل المثال، ارتفاع واحد بمقدار 100 نقطة أساس، تليها خمسة ارتفاعات متتالية بمقدار 50 نقطة أساس.

وفي كلتا الحالتين، عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد الأمريكي، لا يدعو الحذر ولا الحكمة ولا المبدأ الوقائي إلى التدرج. إن مصداقية التزام الاحتياطي الفيدرالي باستقرار الأسعار وضعت على المحك. وما لم يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بسرعة لكبح الطلب الكلي، سيستمر التضخم في تجاوز هدفه. وربما ليست توقعات التضخم طويلة الأجل متقلبة بعد، لكن هذا يمثل مخاطرة حقيقية ومتنامية.

وعلى الرغم من أن معدل تضخم الخمس سنوات القائم على آليات السوق والمتوقع بعد خمس سنوات من الآن كان %2.07 في 15 فبراير 2022، فإن توقعات التضخم على المدى القصير والمتوسط أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي. ويضع استطلاع أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في يناير 2022 بشأن توقعات المستهلكين متوسط توقعات التضخم لمدة عام وثلاثة أعوام عند %5.8 و%3.5 على التوالي. كذلك، وضع استطلاع رأي المستهلكين أجرته جامعة ميشيغان في يناير 2022، توقعات التضخم لسنة واحدة عند %4.9، وتوقعات الخمس سنوات عند %3.1.

ولكي يحمي الاحتياطي الفيدرالي مصداقيته، يجب أن يتخذ إجراءات حاسمة. ولن يكون تسلسل مطول آخر من الارتفاعات بمقدار 25 نقطة أساس سياسة فعّالة.

 

* أستاذ مساعد للشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا

طباعة Email