نظرة تحليلية للتحوّل نحو صافي الانبعاثات الصفري

ت + ت - الحجم الطبيعي

الآن وبعد أن أصبح التصدي لتغير المناخ أولوية قصوى في جميع أنحاء العالم، يعتنق صانعو السياسات الاقتصادية واستراتيجيو الشركات على حد سواء أهداف الاستدامة، خاصة هدف الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري. ولكن ما الذي يتطلبه تحقيق هذا الهدف؟ في تقرير جديد صادر عن معهد ماكينزي العالمي، أسعى أنا وشركائي في التأليف إلى الإجابة عن هذا السؤال.

باعتمادنا على سيناريو 2050 لتحقيق صافي الانبعاثات الخاص بشبكة تخضير النظام المالي، قمنا بمحاكاة انتقال منظم نسبياً من شأنه أن يحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية، قياساً بمستويات ما قبل الصناعة. ومع أن هذا ليس تنبؤاً أو توقعاً، إلا أن تحليلنا القائم على السيناريو يتيح فهماً لطبيعة وحجم التغييرات التي قد ينطوي عليها الانتقال إلى صافي الصفر، وحجم الاستجابة اللازمة لإدارتها. أولاً، سيكون الانتقال عالمياً. إذ يساهم كل بلد وقطاع اقتصادي في انبعاثات غازات الدفيئة، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لذا، فإن الوصول إلى صافي الصفر يعني أن التحول يجب أن يحدث في كل مكان. وبالنظر إلى الترابط بين أنظمة الطاقة واستخدام الأراضي، سيكون التنسيق ضرورياً.

ثانياً، قد يترتب على التحول الناجح إلى صافي الصفر تحولات اقتصادية كبيرة. وفي تقديرنا، سيتطلب الوصول إلى صافي الصفر 275 تريليون دولار من الإنفاق الرأسمالي على الأصول المادية بحلول عام 2050، أي بمتوسط 9.2 تريليونات دولار سنوياً. وهي قيمة أعلى بمعدل 3.5 تريليونات دولار سنوياً من الإنفاق الحالي. إن الزيادات المتوقعة في الإنفاق مع نمو الدخل والسكان، وسياسات الانتقال التي سُنت بالفعل، تضيق الفجوة؛ لكن الزيادة المطلوبة في الإنفاق السنوي ستظل قرب معدل تريليون دولار.

وفي الوقت نفسه، قد يحتاج بعض الإنفاق الحالي إلى إعادة تخصيصه من أصول عالية الانبعاثات إلى منخفضة. وسيخضع سوق العمل أيضًا لتعديل كبير: إذ في ظل سيناريو شبكة تخضير النظام المالي، ستُخلق حوالي 200 مليون وظيفة وستختفي 185 مليوناً أخرى بحلول عام 2050 جراء الانتقال إلى صافي الصفر. ومن ثم فإن إعادة تأهيل العمال وإعادة نشرهم سيكون أمراً بالغ الأهمية.

وتكمن السمة الرئيسية الثالثة للانتقال إلى صافي الصفر في ضرورة تكثيف الجهود فيما يتعلق بالسياسات والاستثمارات المرتبطة بها. وبموجب سيناريو شبكة تخضير النظام المالي، سيرتفع الإنفاق من 6.8 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي اليوم إلى حوالي 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي بين 2026 و2030، ثم يتراجع بعد ذلك.

رابعاً، ستظهر تأثيرات التحول إلى صافي الصفر على نحو غير متكافئ. إن القطاعات الأكثر تعرضا لهذه التأثيرات نظراً لأنها تطلق كميات كبيرة من غازات الدفيئة (على سبيل المثال، طاقة الفحم والغاز)، أو تبيع منتجات تنبعث منها تلك الغازات (مثل المنتجات البترولية)، تمثل ما يقارب 20 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتمثل القطاعات ذات سلاسل التوريد عالية الانبعاثات، مثل قطاع البناء، 10 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى الصعيد القطري، سيتعين على الاقتصادات النامية تكريس حصة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالدول الغنية. إذ سيتعين على الهند تخصيص ما يقرب من 11 ٪، مقارنة بـ4-5 ٪ في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لدعم التنمية الاقتصادية وتكوين أصول منخفضة الانبعاثات. وقد يشكل توزيع رأس المال هذا تحدياً للعديد من البلدان النامية. وتتجلى السمة الخامسة لعملية الانتقال إلى صافي الصفر في كونها معرضة لمخاطر قصيرة الأجل، بما في ذلك نزوح العمال والأصول المعلقة. وفي تقديرنا في قطاع الطاقة، يمكن إيقاف تشغيل أصول بقيمة 2.1 تريليون دولار أو عدم استخدامها بصورة كافٍية من الآن حتى عام 2050.

وفي الوقت نفسه، يحمل الانتقال إلى صافي الصفر فرصاً كبيرة، وهذه هي السمة الرئيسية السادسة. إذ بالنسبة للشركات، يمكن أن تجعل إزالة الكربون العمليات والمنتجات الحالية أكثر فعالية من حيث التكلفة، وستصبح الأسواق الجديدة للسلع منخفضة الانبعاثات مربحة بصورة متزايدة.

* شريك في معهد ماكينزي العالمي

طباعة Email