اليابان ومخاطر توقف إنتاجية قطاعات حيوية

ت + ت - الحجم الطبيعي

في كل شهر، يقوم بنك التسويات الدولية بحساب ونشر أسعار الصرف الاسمية والفعلية للعملات الرئيسية. وقد حملت أحدث البيانات، الصادرة في منتصف فبراير، صدمة لليابان. فقد أظهرت أن سعر صرف الين الياباني الفعلي الحقيقي (الذي يمثل قوة العملة الشرائية تقريبياً) أصبح الآن عند مستوى منخفض مماثل لما كان عليه في أوائل سبعينيات القرن العشرين، عندما جرى تعويم الين لأول مرة بعد انهيار نظامي بريتون وودز وسميثسونيان لأسعار الصرف الثابتة.

مع ضعف قوة الين الشرائية، لاحظ اليابانيون أن السلع المستوردة أصبحت الآن أكثر تكلفة، ووسائل الإعلام عامرة بالقصص حول اندهاش الزائرين اليابانيين لمدن مثل نيويورك ولندن وسنغافورة إزاء ارتفاع أسعار السلع والخدمات هناك. في طوكيو، على سبيل المثال، تبلغ تكلفة وعاء من حساء الرامين عادة أقل من 1000 ين ياباني (8.66 دولارات أمريكية)، ولكن في نيويورك، استناداً إلى ملاحظاتي، تبلغ تكلفته أكثر من 20 دولاراً. وتبلغ تكلفة وجبة ماكدونالدز «بيج ماك» ما يعادل 3.38 دولارات في طوكيو، مقابل 5.81 دولارات في الولايات المتحدة، وفقاً لمجلة الإيكونيميست.

يمكن إجراء مقارنات مماثلة لأسعار مترو الأنفاق، والقمصان الداخلية، وغرف الفنادق من فئة خمسة نجوم، والعديد من السلع والخدمات الأخرى. والآن أصبحت أسعار العقارات الممتازة في طوكيو، والتي كانت الأعلى تكلفة في العالم قبل ثلاثين عاماً، أرخص كثيراً مقارنة بأي مركز مالي رئيس آخر.

بحكم التعريف، أسهم الانكماش في اليابان، مقترناً بانخفاض قيمة الين الاسمية مقابل العملات الرئيسة، في انحدار سعر الصرف الفعلي الحقيقي. لكنّ كلاً من الانكماش وانخفاض قيمة الين الاسمية كان ناتجاً عن السبب المطلق وراء ضعف الين: الإنتاجية الراكدة في اليابان.

يقودنا هذا إلى فرضية تأثير بالاسا-صامويلسون، والتي تعتبر في عموم الأمر الإطار الأكثر ملاءمة لشرح التحركات في سعر الصرف الفعلي الحقيقي.

في الواقع، كان ارتفاع سعر صرف الين الفعلي الحقيقي في ظل نظام سعر الصرف الثابت أو العائم يُـعَـد مثالاً أكاديمياً لتأثير بالاسا-صاويلسون. ولكن هل تفسر ذات الفرضية أيضاً الانحدار اللاحق الذي طرأ على قوة الين الشرائية إلى المستوى الذي كان عليه أوائل السبعينيات؟

على مدار السنوات الـ30 الأخيرة، عانى الاقتصاد الياباني صدمات سلبية، بما في ذلك الأزمة المصرفية في الفترة 1997 - 1998 وزلزال شرق اليابان الكبير في عام 2011 وحادث محطة فوكوشيما للطاقة النووية في العام ذاته. لكن التحوّل البنيوي الأكبر في اليابان في العقود الثلاثة الأخيرة كان تفريغ قطاعات التصنيع القابلة للتداول.

من غير المستغرب إذن أن يتمكن الركود من إنتاجية المصانع في اليابان. وبالتالي، انخفضت الأجور الحقيقية بشكل طفيف في السنوات العشرين الأخيرة، مع ارتفاع مؤشر الأجور الحقيقية (2015=100) من نحو 60 في عام 1970 إلى 113 في عام 1997 ثم انخفاضه إلى 100 في عام 2021، مما أدى إلى خسارة القوة الشرائية.

صحيح أن قطاع الخدمات غير القابل للتداول تقليدياً في اليابان، لكن الانحدار التدريجي في إنتاجية التصنيع أدى إلى تضييق فجوة الإنتاجية الضخمة سابقاً بين القطاعات القابلة للتداول وغير القابلة للتداول.

وتتجلى التأثيرات المترتبة على هذا التحول بقدر متزايد من الوضوح.

وتسببت نفقات الضمان الاجتماعي المتزايدة بسرعة كبيرة في اليابان في تقييد ميزانيات الحكومة للتعليم، والعلوم، والبنية الأساسية، والدفاع.

باختصار، لا تلقوا باللائمة عن انخفاض سعر صرف الين الفعلي الحقيقي على السياسات النقدية التي انتهجها بنك اليابان، فمن الواضح أن تفسير وصول اليابان إلى الانخفاض الهائل بأسعار عقاراتها وإنتاجاتها، يرجع إلى توقف الإنتاجية في القطاعات القابلة للتداول وركود الأجور الحقيقية.

* وكيل وزارة المالية الأسبق في اليابان، وهو أستاذ في كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا

طباعة Email