قبل انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، العاصمة الصينية، دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إلى «هدنة أولمبية» من أجل «بناء ثقافة سلام» من خلال الرياضة. وردد رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، توماس باخ، صدى هذا الشعور في خطاب ألقاه أثناء حفل الافتتاح، حيث قال: «إن مهمة الألعاب الأولمبية هي أن تجمعنا معاً في منافسة سلمية، وأن تبني الجسور على الدوام، ولا تقيم الجدران أبداً»،

بيد أن الفجوة بين الحلم الأولمبي والواقع دائماً ما كانت هائلة، إذ في بعض الأحيان يتجاهل القادة السياسيون الألعاب، كما حدث في اليوم الأول من دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، التي أقيمت في بكين عام 2008. وفي مناسبات أخرى، استخدمت الحكومات هذا الحدث سلاحاً، فقد اتخذ (أدولف هتلر) من دورة ألعاب برلين لعام 1936 معرضاً لنظامه النازي، بينما قادت الولايات المتحدة حملة مقاطعة الألعاب الأولمبية الصيفية التي احتضنتها موسكو عام 1980، انتقاماً من دخول الاتحاد السوفيتي لأفغانستان. وبعد ذلك قاطع الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه دورة الألعاب الصيفية لعام 1984 التي جرت منافساتها في (لوس أنغلوس).

وتتعامل جميع البلدان مع الألعاب الأولمبية على أنها رمز للقوة الوطنية وليس السلام، إذ في عام 2015، على سبيل المثال، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بين، قائلاً: «إذا كانت الرياضة قوية، تكون الأمة قوية أيضاً».

وليس من المستغرب، إذن، أن ترمز دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين لعام 2022 إلى الصراع بدلاً من الوحدة، ولكنها أيضاً ترمي إلى سلام العالم، رغم كل شيء، حيث تجمع الأمم كافة في أجواء لقاءات ودية حماسية حتى وإن كانت تتزامن مع عصر أصبح فيه تقسيم العالم إلى كتلتين متعارضتين أمرًا ملموساً.

وفضلاً عن ذلك، فإن قادة الكتلتين لن يجتمعوا ويتحدثوا في ساحة الألعاب، لأن الولايات المتحدة وبعضاً من حلفائها يواصلون المقاطعة الدبلوماسية للأولمبياد.

ولكن فكرة الهدنة الأولمبية، الموروثة من الألعاب اليونانية القديمة، دائماً ما كانت أسطورة، إذ قال الراحل مارك غولدن، من جامعة وينيبيغ، موضحاً: «لا يوجد دليل يثبت أن الحروب توقفت من أجل المهرجان الأولمبي». إلا أننا ورغم هذا محكومون بالأمل وضرورة العمل على ان تكون هذه الألعاب فرصة ليحل السلام والوئام بين الدول.

كانت الهدنة في الألعاب هذه بزمن اليونانيين، تهدف إلى حماية الملعب والمتفرجين، وتأمين المرور الآمن للرياضيين إلى ساحة الألعاب، لذا فقد أدت الوظيفة نفسها التي قامت بها كنائس العصور الوسطى إلى حد كبير، حيث كانت توفر ملاذاً من عالم خطير.

وفي إطار الجهود الرامية لتحقيق السلام، دعا البارون، بيير دي كوبرتان، إلى إحياء الألعاب الأولمبية في عام 1896، بعد فجوة استمرت 1500 عام. وقال دي كوبرتان: «دعونا نصدر فريق التجديف، والعدائين، والمبارزين، هذه هي التجارة الحرة في المستقبل».

ودائماً ما فهم الناس أن رياضات المتفرجين تمكن الجماهير من إطلاق العنان للحيوية دون إلحاق أي ضرر معين. وفكرة كرة القدم هي المثال المعاصر العظيم. ولكن ما كان يدور في ذهن دي كوبرتان يتجاوز هذا، إذ من ناحية، عاد إلى تقاليد العصور الوسطى المتمثلة في المبارزة بالفرسان كبدائل للمعارك واسعة النطاق، لكنه التزم أيضاً بإيمان القرن التاسع عشر المتمثل في أن حرية التجارة، والأفكار، والسفر، والاتصالات بجميع أنواعها ستخفف من العداء بين القبائل، والطبقات، والبلدان، إذ كلما تعرف الأشخاص على بعضهم بعضاً أكثر، أصبح من الأفضل فهمهم وجهة نظر الآخر، ومن ثم سعيهم إلى التعايش السلمي.

 

* عضو مجلس اللوردات البريطاني.