تتميز معظم بلدان أمريكا اللاتينية بتاريخ طويل من تقبل الهجرة. لكن الارتفاع غير المسبوق في أعداد النازحين في عام 2021، بسبب الاضطرابات السياسية، وانعدام الاستقرار الاقتصادي، والعنف، وفجوات التفاوت المتفشية، وتغير المناخ، وجائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 (كوفيد 19)، وغير ذلك من العوامل، يعني أن الجهود التي تبذلها العديد من الحكومات لحماية المهاجرين، لا ترقى إلى مستوى النوايا التي تتجسد في سياساتها.

تتمثل إحدى الـسِـمات الأكثر إثارة للقلق والانزعاج في وضع الهجرة الحالي في أمريكا اللاتينية، في الفجوة بين نوايا كل بلد، كما يعبر عنها من خلال سياسات الهجرة، وقدرات البلدان المتباينة في ما يتصل بتزويد النازحين بسبل الحماية التي يحتاجون إليها. ويرتبط هذا عادة بنقص الدعم المالي والفني من جانب المجتمع الدولي.

تبذل البلدان في مختلف أنحاء المنطقة، جهوداً غير عادية لإدارة أزمة الهجرة الحالية، مع إعطاء الأولوية للبرامج، وفقاً لما تسمح به مواردها المحدودة. لكن التفاوت في الأساليب، يسهم بشكل أكبر في حركة الناس، لأن المهاجرين وطالبي اللجوء، يميلون إلى الذهاب إلى أي مكان، حيث يمكنهم اكتساب أكبر قدر ممكن من الأمان لأنفسهم وأسرهم.

تتجلى مشكلة أخرى في الافتقار إلى الحلول البعيدة الأمد. لنتأمل هنا الأزمة الأخيرة التي ألمت بمواطنين من هايتي، منهم من كان متوجهاً إلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ومنهم من عَـلِـق في جنوبي المكسيك: كان كثيرون من آلاف الهايتيين الذين عبروا بنما في عام 2021، يسعون في وقت سابق إلى الأمان في أمريكا الجنوبية، في أعقاب زلزال مدمر في عام 2010، لكنهم عجزوا عن العثور على الأمان لأمد طويل.

الواقع أن بعض مسارات الهجرة تاريخية، وتمثل الطرق التي استخدمها الناس للفرار من خطر، أو السعي وراء فرص جديدة لأجيال عديدة. لكن الأزمات الإنسانية، وموجات الهجرة الناجمة عن هذه الحال، كانت في تصاعد مستمر. في بنما وحدها، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعبرون منطقة Darién Gap، من 6500 في عام 2020، إلى 124875 خلال أحد عشر شهراً منذ بداية عام 2021 ــ بزيادة تقرب من عشرين ضعفاً.

يتعين على الحكومات والمنظمات الدولية مع المجتمع المدني المحلي، أن تعكف على ابتكار استراتيجية أكثر فاعلية وتعاونية وتركيزاً على الناس، لإدارة هذه الأزمات. وإدراكاً منها لدورها على طول مسارات الهجرة، كثفت بنما جهودها لتزويد المهاجرين بالرعاية الطبية. والآن يتلقى الأشخاص العابرون المساعدة الطبية الأساسية، ويخضعون لاختبار كوفيد 19، وغير ذلك من الأمراض.

يصل العديد من المهاجرين وطالبي اللجوء إلى البلاد، وهم يعانون من سوء التغذية والإصابات، بسبب الرحلة المحفوفة بالمخاطر عبر منطقة Darién Gap، وهي غابة كثيفة، تقطع الطريق السريع لعموم بلدان أمريكا بين بنما وكولومبيا. وهناك يواجهون المرض، والحيوانات المفترسة، وطبيعة بالغة الخطورة والغدر.

ويتعرض الأطفال والنساء بشكل خاص لمخاطر العنف، والاعتداء، والاتجار بالبشر، والابتزاز من قِـبَـل جماعات إجرامية. الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو أن واحداً من كل خمسة مهاجرين في المنطقة طفل، ونحو 80 % منهم دون سن الخامسة، وهي فترة بالغة الأهمية لنموهم في الأمد البعيد.

الواقع أن أي بلد لا يستطيع أن يدير بمفرده هذه القضية. ويتطلب الموقف إطلاق مبادرة دولية لرصد تدفقات الهجرة، وتوفير الرعاية للنازحين أثناء مرورهم عبر أمريكا اللاتينية. ونحن في احتياج إلى نظام يسمح بمشاركة كل بلد في المسؤولية عن حماية الناس أثناء تنقلهم، بما في ذلك من خلال توفير المنافع الأساسية، مثل الرعاية الطبية، والغذاء، والدعم النفسي والاجتماعي، والأمن. تتحمل بنما هذا العبء في منطقة Darién Gap، لكن مع استمرار أعداد المهاجرين في الازدياد، تصبح الاستجابة التي تشارك فيها بلدان متعددة، ضرورة أكثر إلحاحاً بمرور كل يوم.

دأبت لجنة الإنقاذ الدولية لفترة طويلة، على الدفاع عن أطر السياسات (أو المواثيق)، لتجميع الموارد اللازمة لرعاية اللاجئين والمهاجرين. تتلخص الفكرة في الجمع بين الجهات المانحة، والبلدان المضيفة، والمنظمات التنموية والإنسانية، لإنشاء أنظمة قادرة على تلبية احتياجات هؤلاء السكان المعرضين للخطر. ضمن هذه الأطر، تلتزم الحكومات المضيفة، بانتهاج سياسات طويلة الأجل وشاملة لحماية السكان النازحين. في المقابل، تتعهد الجهات المانحة والمؤسسات المالية، بتوفير التمويل الطويل الأجل لدعم التنفيذ.

وقد تم بالفعل تنفيذ نموذج «الاتفاق» هذا في الأردن، بدعم من البنك الدولي. وهذا النموذج قادر على توفير إطار أولي لتحسين ظروف المهاجرين عبر أمريكا اللاتينية. كخطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف، يجب أن تركز الحكومات الوطنية على تنسيق ومواءمة سياسات الهجرة التي تنتهجها. والآليات اللازمة لمساعدة المانحين والبلدان المضيفة على صياغة اتفاقيات بشأن التزامات تمويلية ملموسة.

وتقاسم الأعباء، ومواءمة السياسات عبر الحدود، وتوفير الأمن، والتوثيق، والتعليم، والتوظيف، والرعاية الصحية، والمسارات إلى اكتساب المواطنة، قائمة بالفعل. لكن الأمر يستلزم قدراً أكبر كثيراً من الاهتمام والتمويل، لتحقيق ما تَـعِـد به هذه الاتفاقات.

لمنع اندلاع الأزمات في المستقبل، يتعين علينا أن نعمل على معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وخاصة الصراعات العنيفة، وجائحة كوفيد 19، وفجوات التفاوت الجهازية، والافتقار إلى الفرص الاقتصادية في بلدان المصدر. وهذا لا يعني خلق فرص العمل، وتنفيذ برامج التنمية فحسب، بل أيضاً تسليم الاستجابات الإنسانية الـفَـعّـالة، وسياسات الحماية الداعمة.

يتلخص التحدي في كسر حلقة الهجرة والنزوح الدائمة، من خلال خلق بيئة آمنة لصالح أولئك الذين حاولوا إعادة بناء حياتهم في أماكن أخرى، وأولئك الذين عادوا إلى بلدانهم الأصلية. على سبيل المثال، يجب أن يحصل أكثر من 100 ألف طالب لجوء ومهاجر من هايتي، الذين يعيشون حالياً في أمريكا الجنوبية، على الفرصة للاستقرار هناك بشكل دائم، حتى لا تضطرهم الظروف إلى الاستمرار في التنقل.

مع تزايد أعداد النازحين الذين يعبرون أمريكا اللاتينية بسرعة كبيرة، تدعو بنما ولجنة الإنقاذ الدولية، الحكومات، والمنظمات الإنسانية، والمؤسسات المتعددة الأطراف، للعمل معاً. يتعين علينا أن نعكف على توفير الحماية للضعفاء المعرضين للخطر، وأن نعمل نحو عالم.

حيث يمكنهم السعي وراء فرص حقيقية في بلدانهم الأصلية، أو أي مكان آخر، بما يتفق تماماً مع المعايير الدولية وقوانين الهجرة. ومن الواضح أن معظم المهاجرين وطالبي اللجوء اليوم، لا يملكون مثل هذا الاختيار.

إذا لم يكرس المجتمع الدولي المزيد من الموارد لرعاية المهاجرين خلال رحلاتهم، فسوف تتفاقم المشاكل التي تواجههم ببساطة، وسوف تصبح الأزمات الإنسانية في مختلف أنحاء المنطقة، أكثر تواتراً وشدة. ونحن ملزمون بكسر هذه الحلقة، قبل أن تخرج عن السيطرة.

 

* وزيرة خارجية بنما.

** نائب الرئيس الإقليمي لشؤون أمريكا اللاتينية في لجنة الإنقاذ الدولية.