ربما يبدو تشبيه الاقتصادات الرأسمالية اليوم بالكتلة السوفييتية محاولة شاذة ومتكلفة.

فما الذي قد تشترك فيه السوق الحرة من قواسم مع التخطيط المركزي على النمط السوفييتي؟

الواقع أن هذه المقارنة تقدم لنا على نحو متزايد رؤى مفيدة حول ما حدث للجانب الفائز منذ نهاية الحرب الباردة.

لنتأمل هنا مسألة «قيود الموازنة الناعمة» التي اعتادت الشركات الاشتراكية المملوكة للدولة التمتع بها، والتي تبين أنها من الأسباب الرئيسية وراء فشل اقتصادات الكتلة السوفييتية. اليوم، أصبحت ظروف مالية مماثلة منتشرة في أمريكا الرأسمالية.

كما زعم الماركسي المجري المرتد يانوس كورناي في مناسبة شهيرة، تستطيع الشركات المملوكة للدولة أن تتجاهل الخسائر وتفضيلات المستهلكين لأنها من الممكن أن تعتمد دائماً على الدولة لإبقائها قادرة على الاستمرار. حظيت فرضية كورناي بشعبية كبيرة لدى المصلحين الصينيين في ثمانينيات القرن العشرين:

في سعيهم إلى جعل الشركات المملوكة للدولة أكثر استجابة للسوق، عملوا على «تشديد» القيود المفروضة على ميزانيات الشركات. على النقيض من هذا، يبدو أن أمريكا الرأسمالية تسير على المسار الخاطئ ذاته الذي سلكته الاقتصادات السوفييتية. ورغم أنها تبدأ من نقطة مختلفة، فإن النتيجة واحدة. فهناك تتجه القيود على الموازنات نحو المزيد من اللين، كما بدأ رأس المال يتوجه بشكل متزايد نحو الحالمين والمخططين العصريين من ذوي العلاقات الجيدة.

من المؤكد أن الاقتراض من الممكن أن يعمل، إلى حد ما، على تنشيط المشاريع الرأسمالية، خلافاً لما قد يقرأ المرء في كتب الاقتصاد الأكاديمية التمهيدية، كما أن ميزانيات المستهلكين في العالم الحقيقي ليست محدودة بسقف، وبوسع المستهلكين المغامرين أن يقترضوا لدفع ثمن البند الرائج الجديد التالي. ومن خلال الاستهلاك بما يتجاوز إمكانياتهم، فإنهم بهذا يعززون الطلب على أجهزة iPhone وسيارات Tesla، مما يخلق الحوافز للمبتكرين والمبدعين.

على نحو مماثل، كثيراً ما تعتمد شركة تيسلا وغيرها من الشركات البادئة على التمويل الخارجي، وليس الأرباح، لتعزيز ابتكاراتها، تماماً كما تصدر الحكومات السندات للمساعدة في تغطية تكاليف الطرق السريعة، والجسور، والموانئ، والمطارات. كما تعود الفائدة على المدخرين. فبدلاً من اكتناز الفائض، يمكنهم تغطية احتياجات التمويل لصالح المستهلكين والشركات والحكومات مع تحقيق ربح.

لكن المرونة المالية المفرطة قد تكون سامة. فبرغم قدرة الأفراد، والشركات، والحكومات على التنبؤ بشكل معقول بأجور وإيرادات وإيصالات الضرائب (على التوالي) في الشهر المقبل، فإنهم لا يستطيعون تخمين قدرتهم على الوفاء بالالتزامات بعد سنوات عدة من الآن. كلما كانت توقعات المرء أكثر تفاؤلاً، كلما زادت رغبته في الإنفاق بما يتجاوز إمكانياته الحالية أو استثمار ما يزيد على دخله الذي يحتفظ به.

من حيث المبدأ، يجب أن تفرض العناية الواجبة من جانب الممولين حدوداً تعويضية على هذا التوسع المفرط. لكن تقدير الجدارة الائتمانية وعائدات الاستثمار ليس علماً دقيقاً، ومن الممكن أن تؤدي المنافسة في القطاع المالي إلى إطلاق سباق إلى القاع، حيث يندفع المقترضون أفواجاً إلى الدائنين الأكثر تساهلاً.

مع ازدياد ضعف قيود التمويل التقليدية في العقود الأخيرة، تجاوز نمو ديون الأسر والشركات نمو دخولها وأرباحها بهامش عريض. على نحو مماثل، بلغ نمو ديون الحكومة الأمريكية ــ الذي يتجاوز 29 تريليون دولار حالياً ــ مستوى يحير الخيال.

من الواضح أن معايير الإقراض المتساهلة هذه امتدت إلى أسواق الأسهم. في العام المنصرم، اشترى نحو أربعة ملايين ممن يصفون أنفسهم على أنهم «قرود» ما قيمته مليارات الدولارات من أسهم شركة AMC، لينقذوا بذلك سلسلة دور السينما من الإفلاس. ويطرح بعض المشاهير الآن شركات استحواذ ذات أغراض خاصة بطريقة ملحاحة وفَـعّـالة بدرجة غريبة: «أعطنا أموالك، لكننا لن نخبرك لأي غرض».

إن مزيج الاستثمار المهووس والإقراض المتهور لم يظهر بشكل عفوي أو نتيجة للرضا الذاتي الذي يأتي مع فترة ممتدة من الاستقرار، كما زعم هايمن مينسكي، الـمُـنَـظِّـر العظيم للأزمات المالية.

لابد أن يكون انهيار فقاعة الإنترنت في عام 2000 والأزمة المالية العالمية بعد ثماني سنوات من الأحداث الحاضرة في ذاكرة معظم الممولين والمستثمرين. المشكلة هي أن القائمين على البنوك المركزية حرضوا عمداً على الإقراض العشوائي والتداول «على المخاطرة» على نطاق غير مسبوق تاريخياً.

الأمر الأسوأ من هذا أنه في حين أسقط القائمون على البنوك المركزية وفرة من «أموال الهليكوبتر»، فإن الأموال لم تكن موزعة بالتساوي. الواقع أن السياسات النقدية كانت مصممة لخفض معايير الائتمان، وبالتالي محاباة مقترضين عاجزين.

أما المدخرون الأكثر تعقلاً من أن يضاربوا فقد تخلفوا عن الركب. وكذا كانت حال الشركات التي قاومت إغراء الأموال الرخيصة. في ظل الظروف الحالية، تستطيع الشركات المنافسة الأقل حصافة أن تدفع المزيد للحصول على موظفين نادرين وغير ذلك من الموارد.

تُـرى أي شكل من أشكال المحاسبة التي تواجه الرأسمالية يستحيل التنبؤ به ــ أو التنبؤ بموعده. إن الدفاع بثبات عن أسواق الأوراق المالية يعمل على تمديد حالة سوء تخصيص رأس المال الذي ترعاه الدولة. ومن سوء الحظ، يبدو أن المجموعة الحالية من البنوك المركزية تفتقر إلى العزيمة التي مكنت الراحل بول فولكر من تشديد القيود المالية عندما قاد بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل أربعة عقود من الزمن.

* أستاذ إدارة الأعمال في جامعة توفتس، ويعمل الآن على إتمام كتاب حول «عدم اليقين غير المحسوب»