في وقت يشهد فيه العالم انجرافاً نحو حرب باردة جديدة، يجب أن تحدد الديمقراطيات والدول الأخرى ما تريده وما تدين به لبعضها البعض، من أجل تمكين التعاون البناء بين بعضها البعض. إذ لا تستطيع الديمقراطيات أن تقول بكل بساطة إن الوقت في صالحها، وإن كل ما تحتاجه هو التمسك بمبادئها حتى تنهار الأنظمة الاستبدادية. إن تصور نهاية الكوكب أسهل من تخيل زوال التوترات العالمية. ولا شك أن نزع فتائل ومسببات تلك التوترات يمثل أنجع أشكال معالجتها.

لقد اعتاد القادة في الغرب على مناقشة الحرب الباردة على أنها صراع أيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، أو بين الديمقراطية والديكتاتورية، لدرجة أنهم أخفقوا في فهمها من منظور ميزان القوى. وكان جزء من التوازن يتعلق بالأسلحة النووية، لكن جزءاً كبيراً منه كان يتعلق بالقضايا الإقليمية. وبعد الحرب العالمية الثانية، سعى الاتحاد السوفييتي إلى إنشاء منطقة عازلة في أوروبا الشرقية ضد الغزوات الغربية التي شهدها تاريخها، والتي كان أشدها تدميراً، هجوم هتلر عام 1941 على الاتحاد السوفييتي.

وبين عامي 1989 و1991، أصبحت تلك المنطقة العازلة الجبهة الشرقية الجديدة للغرب، إذ انضم جميع الأعضاء غير السوفييت في حلف (وارسو)، الذين كان إدراجهم في هذا الترتيب بعيداً عن كونه طوعياً، إلى الناتو، وهو تحالف عسكري أنشئ لمواجهة الاتحاد السوفييتي.

ويجادل روبرت كوبر، الدبلوماسي البريطاني السابق ودبلوماسي الاتحاد الأوروبي، بأنه بالنسبة للدول الغربية، «لم يعد الحصول على الأراضي أمراً مهماً». ولكن هذا يتجاهل حقيقة أن الأرض يمكن أن تكون موقعاً للصواريخ. وإذا أصبحت أوكرانيا عضواً في الناتو، فإن الجبهة الشرقية للتحالف ستكون على بعد مئات الأميال من موسكو.

لقد اتبع تفكير الغرب في العلاقات الدولية مساراً تاريخياً مختلفاً عن مسار روسيا. وبين هذين الموقفين وهما: الأمن الذي يضمنه توازن القوى والأمان الذي تضمنه الديمقراطية، يبدو أن هناك مجالاً ضئيلاً للتسوية: إذ يبدو أن كل منهما هو عدو الآخر.

إن النظام الدولي المختلط اليوم يتضمن ترتيبات توازن القوى ومبادرات «لنشر قيمنا». وفي هذا المزيج غير المستقر يكمن الأمل الرئيسي في إنشاء طريقة مؤقتة تسمح للديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية بالتعاون في معالجة القضايا الكوكبية الوجودية مثل تغير المناخ.

لا شك ان دروس التاريخ الكثيرة، ستعملنا وتلهمنا. إذ إن الدول التي خاضت صراعات وكانت محورا لها، كثيراً، ما كانت في مناطق حساسة، ولكن الاتفاق على كينونة خاصة لها، سيؤدي غلى نزع فتيل المواجهات ويضمن أمن وسلام العالم.

ومثالنا هنا بجيكا. فقد اندلعت الثورة البلجيكية عام 1830 دعماً للاستقلال الذي منحته القوى العظمى (بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والنمسا، وبروسيا) في معاهدة لندن لعام 1839 بشرط أن تظل بلجيكا محايدة إلى الأبد. وعلى الرغم من أن بلجيكا، على عكس سويسرا، لم تكن ترغب في الحياد، فإن إزالتها من مناطق نزاع القوى العظمى مكن الدولة الجديدة من الاستفادة من سلام يضمنه القانون الدولي.وبطبيعة الحال، لا يوجد سلام دائم، إذ انتهكت ألمانيا في عهد فيلهلمين الحياد البلجيكي في عام 1914. ومع ذلك، أبقت الاتفاقية البلاد خارج الحرب لمدة 75 عاماً. كذلك، فإن الدبلوماسية الخيالية فيما يتعلق بأوكرانيا اليوم تقدم أفضل أمل في تحويل حرب غير معلنة إلى سلام معلن.

 

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وهو أستاذ فخري للاقتصاد السياسي بجامعة وارويك