بعد انهيار سوق العقارات في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بدأت مدينة ملبورن الأسترالية في تحويل مباني المكاتب الفارغة إلى مساكن جديدة وأعيد تصور المساحات الثقافية - إعادة جدولة المنطقة الراكدة. وعلى مدار بضع سنوات، بدأ وجه المراكز التجارية وسط المدينة يتغير. وعلى نحو متزايد، كانت نشطة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. واكتسب هذا التحول اهتمامًا دوليًا في عام 2002 مع إنشاء ساحة الاتحاد، وهي مساحة ضخمة خُصصت للفعاليات العامة، وبُنيت على ساحة سكة حديد قديمة. وحقق هذا المركز الثقافي الذي ينشط على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع نجاحًا ساحقًا.

وقد تبدو مثل هذه التدخلات الفعالة والمقتصِدة غير واضحة - لا تختلف عن ملبورن نفسها. ولكن دروس هذا التحول تقع في قلب خطاب التخطيط الحضري الحالي. لقد انتهى القرن العشرون تاركاً وراءه بنية تحتية حضرية غير فعالة، وفي حالة تذبذب صعوداً وهبوطاً. فقد عطلت الحياة وألحقت الأذى بالسكان بطرق كبيرة وصغيرة على حد السواء، بما في ذلك الاختناقات المرورية، والضغط في شبكات الكهرباء، واكتظاظ المستشفيات. ولم يعد بإمكاننا تحمل إهدار الموارد، بالنظر إلى معركتنا الوجودية ضد تغير المناخ. إن إعادة جدولة مدننا وزيادة كثافتها ومزيج وظائفها من أقوى الطرق لجعلها أكثر استدامة.

غالبًا ما تتصدر ملبورن الترتيب الدولي لجودة الحياة. إذ لديها ثقافة شوارع غنية وساحة فنية مزدهرة. كما أن منطقتها التجارية المركزية مكتظة في جميع الأوقات.

ويمكن أن ننسب قصة نجاح ملبورن إلى خطة بلدية رئيسية وأحد مؤيديها الرئيسيين، روب آدامز. ولد آدامز في زيمبابوي، ودرس الهندسة المعمارية في جامعة «كيب تاون»، حيث طور مفهومًا فريدًا من شأنه أن يجعل منه عنصراً رئيسياً في تحول ملبورن.

وخلال فترة وجود آدامز في «كيب تاون» في أواخر الستينيات من القرن العشرين، كانت الجامعة تستعد لتوسيع كبير في الهيئة الطلابية وأعضاء هيئة التدريس. وكان النهج المعتاد هو توسيع نطاق الحرم الجامعي من خلال إنشاء مبانٍ جديدة أو توسيع المباني الموجودة. ولكن ربما بدافع القلق بشأن حماية هوية الجامعة، أو ببساطة بسبب القيود الطبوغرافية لموقعها على سفوح جبل تيبل، اختارت الإدارة بدلاً من ذلك حلاً غير مسبوق وهو توسيع جداولها الزمنية بدلاً من مساحتها. وعن طريق إضافة فصول مسائية وتعديل التقويم الأكاديمي، زادت الجامعة من قدرتها دون أن تزيد من مبانيها.

وبعد أن كان شاهداً على هذه العملية وهو طالب في الجامعة، كان آدامز حريصًا على جلب روح إعادة الجدولة إلى البيئة الحضرية. وعندما وصل إلى ملبورن عام 1983 للعمل في الإدارة البلدية، كانت المدينة تعاني. إذ تحولت المنطقة التجارية وسط المدينة، على وجه الخصوص، إلى مدينة أشباح بسبب عدم اليقين الاقتصادي والهجرة الجماعية.

لا شك أننا سنحتاج إلى بناء منصات رقمية عامة قادرة على تحديد السلوك الفاضل ومكافأته - مثل مخططات تسعير الذروة للطرق وشبكات الكهرباء. ويمكن أن تساعد مرونة العمل عن بُعد، التي نمت بصورة كبيرة في أعقاب جائحة «كوفيد19»، في تسريع الانتقال إلى مدينة تمت إعادة جدولتها حقًا، حيث لا يتعين على السلوكيات الفردية اتباع نفس الأسلوب. وإذا تحققت هذه الرؤية، فلن تصبح مدننا أكثر استدامة فحسب، بل ستصبح أكثر اجتماعية وأقل انغلاقاً. وسيرجع الفضل في ذلك إلى النموذج القوي الذي أنشأته ملبورن وإشراف عليه آدامز لعدة عقود.

 

* مدير مختبر «سنسيبل سيتي» بمعهد ماساتشوسيتس للتنكنولوجيا، والمؤسس المشارك لمكتب التصميم والابتكار الدولي «كارلو راتي أسوشياتي».