يبدو جلياً للجميع في السنوات الأخيرة، أن المملكة الأردنية الهاشمية، نشطت بفاعلية في السعي لتطبيق سياسات وبرامج من أجل تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وفق برامج منهجية علمية. وقد نجحت في الكثير من الجوانب بهذا السياق، فخلال الخمس عشرة سنة الماضية، انخفضت انبعاثات الأردن السنوية لكل فرد، من 3،5 أطنان، إلى 2،5 طن، ولكن الأردن مثل الغالبية الساحقة من البلدان، مسؤول عن حصة لا تكاد تذكر من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون، فقط 0،04 % سنوياً، وعليه فإن دول العالم كافة بحاجة لخطة عمل مدروسة تتوزع فيها الأدوار بشكل عادل وذكي، ليتحمل الجميع مسؤوليته في هذا الشأن.
لقد كانت تداعيات التغير المناخي، على إمدادات المياه في العديد من البلدان مذهلة. لقد كان هطول الأمطار في السابق، بمثابة المنقذ للمجتمعات الريفية التي تعمل في الزراعة البعلية الموسمية، والرعي في الأراضي شبه القاحلة، وخلال العقد الماضي، أدى الانخفاض المطرد في متوسط هطول الأمطار، وزيادة وتيرة وشدة حالات الجفاف، إلى تقويض الأنماط الزراعية تلك، ما عمّق من الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق الريفية والحضرية.
إن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال، أن الوضع في الأردن يعتبر فريداً من نوعه، فمنظمة الصحة العالمية، تقدّر بأن نصف سكان العالم، سوف يعيشون في مناطق تعاني من نقص بالمياه بحلول سنة 2025، وهذا في جوهره يعني أن ما كان يعتبر في السابق تحدياً إقليمياً، قد أصبح الآن مسألة خطيرة، تتعلق بالحوكمة العالمية، مع تداعيات بيئية وسياسية واقتصادية.
بشكل عام، فإن تداعيات التغير المناخي الأخرى، وعدم وجود استجابة منسقة عالمية لتلك التداعيات، ناهيك عن التهديدات الإضافية مثل جائحة كوفيد 19، توحي بأن هناك خطأ فادحاً على المستوى العالمي، وطبقاً للتقييم الرصين الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن العالم لن يحقق هدف اتفاقية باريس للمناخ لسنة 2015، في الحد من الاحتباس الحراري، إلى أقل بكثير من 2 درجة مئوية، ما لم يتم إجراء تخفيضات إضافية ضخمة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
إن الأمر، وبكل بساطة، هو أن نتائج الجهود المناخية للعالم، غير كافية على نحو خطير، وطبقاً للبيانات الخاصة بمتابعة العمل المناخي، فإن السياسات الحالية، تضع العالم على مسار أن ترتفع درجات الحرارة بشكل مذهل، وذلك بمقدار
٢.٧ - ٣.١درجات مئوية، بحلول سنة 2100، مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة. صحيح أن العديد من التقنيات الخضراء الناشئة، هي تقنيات واعدة، ويجب دعمها، ولكن في غياب نهج عالمي، فإن هناك خطراً بأن تلك الابتكارات، سوف تعمل فقط على إعادة توزيع تأثير التغير المناخي بين البلدان والمناطق.
إن رفع الوعي وتنبيه صناع السياسات، يعتبر أمراً ضرورياً، ولكنه ليس كافياً لتجنب ما أشار إليه أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، على أنه «كارثة مناخية». يجب السعي لتخفيف التغير المناخي، من أجل المنفعة العامة العالمية، علماً أن المشكلة هنا، هي أن مثل تلك المنافع، تعاني من مشاكل تتعلق بالعمل الجماعي، وذلك نظراً لأن التكاليف عادة ما تكون مركّزة مكانياً وزمانياً، بينما الفوائد منتشرة. إن من الممكن معالجة تلك الصعوبات فقط، من خلال هياكل حوكمة عالمية، تخفّض من تكلفة العمل الجماعي، وتستوعب العوامل الخارجية، وتواجه التحيزات قصيرة المدى في عملية صنع القرار.
نحن بحاجة من أجل التصدي للتغير المناخي بفعالية أكبر، إلى ترتيبات حوكمة عالمية، ترقى لأن تكون عقداً اجتماعياً عالمياً جديداً. إن هياكل الحوكمة العالمية الحالية، يمكن أن تشكل أساساً لتلك المؤسسات الجديدة، ولكن يجب تعديلها ودعمها، من أجل التصدي لمشاكل محددة، تتعلق بالمنافع العامة والعمل الجماعي.
لقد وصلت أعلى درجة حرارة سجلت في الأردن منذ سنة 1960، إلى مستوى مذهل، 49،3 درجة مئوية (120،7 فهرنهايت)، وذلك في يوليو 2018، أي بعد أن أصبحت رئيساً للوزراء بشهر واحد. إن وضع الأردن ليس فريداً من نوعه، فموجات الحرارة تسببت بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة في بلدان من كندا إلى أستراليا في السنوات الأخيرة، وبينما توجد هناك تأثيرات للتغير المناخي (بما في ذلك تزايد تكرار وقوع الفيضانات والأعاصير والجفاف وزيادة حدتها)، على المستوى المحلي، فإن هذه التأثيرات تستوجب استجابة عالمية، والتي يجب أن تحدد أهدافاً ملزمة، تأخذ بعين الاعتبار، مساهمات الدول في المشكلة والحل.
بادئ ذي بدء، نحن بحاجة إلى هيكل حوكمة تكون سلطته مقتصرة على المنافع العامة العالمية، والتي لا يمكن توفيرها بشكل كافٍ على المستوى الوطني، كما ستكون الدول حرة في الانضمام لذلك الهيكل من عدمه، علماً بأن فوائد الانضمام تفوق فوائد عدم الانضمام. سوف يتم اتخاذ القرارات على أساس الأغلبية، بحيث لن تتمتع أي دولة بسلطة الفيتو، كما سيكون هناك أيضاً عملية استئناف وفصل، تسمح بالطعن في القرارات.
ثانياً، وجود كيان حارس يتابع حسابات الثروة الطبيعية العالمية لمعالجة قضايا العدالة بين الأجيال، علماً بأن هذا الكيان يجب أن يكون قادراً على وضع البنود على جدول أعمال مؤسسة الحوكمة العالمية، والطعن في القرارات.
أخيراً، وجود نظام للحوافز والموانع، يهدف إلى المحافظة على الطبيعة والتنوع البيئي، وفرض الضرائب على من يستهلكها، مع الأخذ بعين الاعتبار، التباين في الثروة والدخل بين البلدان.
إن تأسيس آليات حوكمة عالمية، تركّز على المنافع العامة، وتحديات العمل الجماعي لتغير المناخ، لن يكون أمراً سهلاً. فمشاعر القلق والخوف المتعلقة «بنقص الديمقراطية»، والحاجة لحماية السيادة الوطنية، هي مشروعة، ولا يمكن تجاهلها بكل بساطة.
لكن مهما يكن من أمر، فإننا لن نبدأ من الصفر، فمنظمة التجارة العالمية، هي مثال لهيكل حوكمة عالمي قوي وناجح، وبقواعد ملزمة، وبالتالي، فإن ما يدعو للسخرية والحزن، أن منظمة التجارة العالمية، فشلت في تضمين قضايا البيئة وحقوق الإنسان، المتعلقة بالتجارة في لوائحها، من أجل ضمان تكافؤ الفرص على المستوى الدولي، ومع ذلك، فإن منظمة التجارة العالمية، وبسلطتها لفرض العقوبات، هي في وضع مثالي، من أجل ربط مسائل مثل انبعاثات غاز الاحتباس الحراري، وقضايا العمالة بالقواعد التجارية.
لا يستطيع الأردن اليوم، التصدي بنجاح لتحديات المناخ العالمية لوحده، وهذا ينطبق أيضاً على الشرق الأوسط، وذلك نظراً للصراعات والتنافسات الإقليمية، والآن، وبعد أن أصبح العالم قرية، فإن المهمة التي تواجه المنطقة والعالم، هي الاتفاق مع البلدان الأخرى – زملائنا القرويين- على كيفية التخفيف من تجاوزاتنا، وتجنب تهديد وجودي، وهذا يمكن تحقيقه فقط، من خلال إيجاد طرق مناسبة لمساءلة أنفسنا وبعضنا البعض. إن الحل يكمن في تأسيس نظام حوكمة عالمي، مبني على أساس الدولة، ولكن لديه القدرة على معاقبة السلوك الضار.
إن البعض قد يعتبر فكرة إنشاء مثل هذا الهيكل، بأنها بعيدة المنال، ولكن ما لم نقم بذلك، فإن هناك أملاً ضئيلاً في منع أزمة المناخ -الظاهرة بالفعل في الأردن وحول العالم – من أن تستمر في تدمير حياة عدد لا يحصى من الناس وسبل عيشهم.
* رئيس وزراء أردني سابق.

