يسعى البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وقد وجد نفسه عالقاً خلف منحنى التضخم، إلى تشديد السياسة النقدية على نحو مفاجئ، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إلحاق ضرر شديد بالطلب وسحب البساط من تحت أقدام الشركات التي تتطلع إلى رفع الأسعار وإبقائها عند مستويات مرتفعة. يفقد العديد من العمال وظائفهم، مما يحرم قوة العمل من القدرة على المساومة. وفعلياً، تمر الأسواق عبر نوبات من نقص السيولة المزعزعة للاستقرار، مما يهدد بحدوث تداعيات سلبية على الاقتصاد المتعثر بالفعل. أقروا أخيراً بأنهم أخطأوا لأشهر عديدة في توصيف الارتفاع التضخمي الذي تبين أنه أكبر وأكثر دواماً من كل توقعاتهم. هذا الاعتراف موضع ترحيب، وخاصة بالنظر إلى احتمال أن يظل التضخم مرتفعاً بدرجة غير مريحة في الأشهر المقبلة.
يتمثل التحدي الآن، ليس فقط الذي يواجه الاحتياطي الفيدرالي بل وأيضاً الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى في عموم الأمر، في الإبحار عبر تضاريس السياسية حيث أصبح الاتصال والتنفيذ أشد تعقيداً بسبب سوء القراءة الجوهري للتضخم على أنه «مؤقت».
كان التوصيف الأولي للتضخم في وقت سابق من العام الماضي. فمن مارس إلى مايو، بشكل خاص، لم يخلُ الأمر من تأثيرات أساسية قوية، لأن التضخم خلال فترة العام السابق كان مكبوتا بفعل إغلاق الاقتصاد العالمي في الاستجابة لجائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19).
بحلول فصل الصيف، كان من الواضح لبعضنا أن مثل هذه العوامل العابرة كانت مصحوبة بقضايا أطول أجلاً. كانت الشركات عاكفة على تفصيل الطبيعة المستمرة للارتباكات التي غلبت على سلاسل التوريد. وكان النقص في العمالة يتضاعف، مما أضاف إلى عوامل التضخم التي تدفع التكاليف إلى الارتفاع. توقعت قِـلة من الشركات أن تُـحَـل هاتان المسألتان في أي وقت قريب ــ وأعربت عن ذلك في إعلان أرباح تلو الآخر.
ولكن بدلاً من إعادة النظر في إعلان التضخم الأولي في ضوء البيانات، استمر الاحتياطي الفيدرالي على ذات المسار.
يلاحظ كثيرون بحق أن الاحتياطي الفيدرالي لا يملك الأدوات اللازمة لفتح سلاسل التوريد أو زيادة مشاركة قوة العمل. ولكن لو أبقى الاحتياطي الفيدرالي لفترة أطول على عقلية التضخم المؤقت، فإنه يجازف بإطلاق العنان لمحرك آخر قوي لزيادة الأسعار في المستقبل ــ والذي يتمثل في توقعات التضخم غير المقيدة.
كلما تأخر الاحتياطي الفيدرالي في التفاعل على النحو الصحيح مع تطورات التضخم، ازداد الاحتمال بأن تنتهي به الحال إلى كونه السبب الرئيسي وراء نمط التضخم العابر الذي راهن عليه للأسف بجزء من مصداقيته. ولكن إذا ثبت أنه كان على حق بهذه الطريقة، فقد يجازف الاحتياطي الفيدرالي بإحداث ركود محلي مدمر، وتقلبات في السوق، وتداعيات غير مباشرة قد تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
من المشجع إذن أن ينفذ تحول مفاجئ في التعامل مع التضخم في الاتجاه المعاكس وأن يؤكد أن الوقت حان «لاعتزال» توصيف التضخم على أنه مؤقت. يتعين على الاحتياطي الفيدرالي الآن أن يتابع عن طريق القيام بأمرين بسرعة. أولاً، كجزء من محاولة عاجلة لاستعادة المصداقية التي تشكل ضرورة أساسية لتوجيهاته المسبقة للسياسات واستقلاليته التشغيلية، ينبغي له أن يوضح بالتفصيل علنا السبب وراء إعلان التضخم الخاطئ وما الذي يعتزم القيام به لتجنب حدوث زلات مماثلة في المستقبل. ثانياً، يتعين على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحرك بسرعة أكبر كثيراً في تقليص مشترياته الشهرية من الأصول. وسيساعد تخفيف قدمه عن مسرع سياسة التحفيز، التي تظل تشكل ضرورة أساسية في وضع «الانتقال إلى سرعة أعلى»، في التخفيف من خطر اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى الضغط على مكابح السياسة بطريقة غير منضبطة في منتصف عام 2022.
*رئيس كلية كوينز كوليدج في جامعة كمبريدج، وأستاذ في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا.
