هل سيظل الغرب ملتزماً بالنظام الدولي القائم على القواعد حين يتوقف عن وضعها؟ سيكون هذا أحد أهم الأسئلة التي ستطرح في العقدين المقبلين. وإذا كان هناك مبدأ واحد وحَّد الناخبين، وصناع القرار، والسياسيين، ووسائل الإعلام في جميع أنحاء الغرب، فهو أن القواعد مهمة لكل شيء آخر تقريباً. ولطالما قوبل عدم احترام القواعد العامة بغضب شديد ورد فعل قوي.

لنأخذ، على سبيل المثال، المملكة المتحدة، حيث مكنت الكاريزما لرئيس الوزراء، بوريس جونسون، من الفوز بالسلطة والتمسك بها، ما أعاد رسم الخريطة السياسية للبلاد بصورة فعالة في هذه العملية. وصمدت شعبيته لدى الناس أمام ما أبداه من عدم الكفاءة، وأمام ارتفاع عدد الوفيات الوبائية والركود الاقتصادي. إلا أن جونسون، الآن، بدأ يفقد الكثير من الدعم بسبب تجاهله وحكومته القواعد إلى أبعد حد.

وتُدين الحكومات الغربية مراراً وتكراراً الآخرين لخرقهم القواعد. فقد تلقت روسيا توبيخاً لضمها شبه جزيرة القرم. وأدينت الصين، أيضاً، باعتبارها منتهكاً رئيسياً للقواعد.

ومع ذلك، في العقود المقبلة، لن يكون التهديد العالمي الأكبر هو الصين فتأثيرها المتزايد على القواعد، والمعايير، والاتفاقيات الدولية، هو عامل تغيير قواعد اللعبة. إذ لعدة قرون، اعتبرت القوى الغربية دورها المتمثل في وضع المعايير على مستوى العالم أمراً مسلماً به، مما يؤثر بصورة كبيرة على سياسات البلدان الأخرى من خلال «إجماع واشنطن»، و«تأثير بروكسل»، وغير ذلك.

وتأثير بروكسل هو عملة جديدة، أشاعها الباحث القانوني، آنو برادفورد، لوصف التأثير العالمي للسياسات التنظيمية للاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، على مدى العقد الماضي، واجه إجماع واشنطن بشأن السوق الحرة تحدياً من قبل «إجماع بكين» بشأن العولمة المُدارة، والسياسة الصناعية، ورأسمالية الدولة، في حين واجه تأثير بروكسل «تأثير بكين» المحتمل وهو: تصدير الصين معايير التكنولوجيا من خلال «طريق الحرير الرقمي».

وفضلاً عن ذلك، أصبح لدى العديد من هيئات وضع القواعد العالمية التي كانت تدعم الهيمنة الأوروبية والأمريكية زعماء صينيين.

وتستعد الصين لوضع معايير لتقنيات سريعة التطور مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وقد انتشرت البنية التحتية التكنولوجية للشركات الصينية في العديد من البلدان.

وأصبح السؤال المطروح هو ما إذا كان الالتزام الغربي بالقواعد سيستمر أم لا. ماذا لو كان هذا الالتزام دائماً يتعلق بالسلطة التي يمنحها أكثر من المبادئ الأساسية التي يدعمها؟ هل سيحترم الأوروبيون والأمريكيون نظاماً عالمياً قائماً على القواعد يتبع «فكر شي جين بين» بدلاً من مفكري التنوير الغربي؟

وحتى تبقى في الطليعة، بدأت بعض الحكومات الغربية في إعادة التفكير في شكل النظام القائم على القواعد.

ويظهر تحول مماثل في المحيط الأطلسي، حيث انتقلت إدارة بايدن من دعم المؤسسات العالمية لتخيل نوع جديد من النظام القائم على القواعد الذي يشمل ديمقراطيات العالم.

ويبقى أن نرى كيف ستجتاز القوى الأصغر الظروف المتقلبة. ويمكن العثور على دليل لافت للنظر في المراجعة المتكاملة لحكومة جونسون في مارس 2021 للأمن، والدفاع، وغيرها. فبعد استنتاجه بأن «الدفاع عن الوضع الراهن لم يعد كافياً للعقد القادم»، أصبح يدعو لنهج أكثر ديناميكية من مجرد «الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد بعد الحرب الباردة».

وستدور المعارك الحاسمة في القرن الـ 21 حول من لديه القدرة على وضع القواعد.

 

* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومؤلف كتاب The Age of Unpeace: How Connectivity Causes Conflict (بانتام بريس، 2021)