يرى بعض المراقبين، أن العملات الرقمية المشفرة ستعزز الشمول المالي من خلال منح الأشخاص غير المتعاملين مع البنوك القدرة على الوصول إلى الخدمات المالية وخفض تكاليف المعاملات للمدفوعات الصغيرة عبر الحدود مثل تحويلات المهاجرين. تُـعَـد تحويلات المهاجرين مهمة بشكل خاص للسلفادور، حيث بلغت في المتوسط نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي على مدار العقدين الأخيرين.
لكن من غير المرجح أن تكون عملة البيتكوين هي الحل. تبدو وسائل أخرى لخفض تكاليف مثل هذه المعاملات أكثر تبشيراً. والاحتفاظ بمثل هذه الأصول غير المستقرة أو التعامل بها فكرة سيئة بشكل خاص للناس من ذوي الدخول المنخفضة، الذين لا يمكنهم تحمل تقلبات الأسعار قد تصل إلى 30% في يوم واحد. تضاعف سعر عملة البيتكوين أربع مرات خلال العام الماضي، وهذا جزء من جاذبيتها. لكن كل ما يرتفع قد ينخفض أيضاً.
يتمثل عيب آخر في حقيقة مفادها أن حتى المخضرمين المطلعين رقمياً عُـرضة لخطر نسيان كلمات المرور وخسارة ما يملكون من عملة البيتكوين. ونصف سكان السلفادور لا يمكنهم الوصول إلى الإنترنت في المقام الأول.
كما إن العديد من جوانب العملات الرقمية المشفرة محيرة، وخاصة نجاح مزحة مثل العملة المسماة Dogecoin. لكن اعتماد السلفادور عملة البيتكوين كعملة رسمية قانونية ربما يكون المثال الأكثر غرابة وإثارة للقلق والانزعاج على الإطلاق.
أصبحت السلفادور أول دولة تتبنى عملة رقمية مشفرة ــ البيتكوين ــ كعملة رسمية.
أعترف أنني لا أفهم الحاجة للعملات الرقمية المشفرة على الإطلاق. مثلي كمثل العديد من أهل الاقتصاد، أعجز عن معرفة المشكلة التي تحلها مثل هذه العملات.
الواقع أن البيتكوين وشبيهاتها من العملات المشفرة وُلِـدَت من رحم انعدام الثقة الفوضوية التحررية في البنوك المركزية. صحيح أن العديد من البنوك المركزية، وخاصة في البلدان النامية، لها تاريخ في خفض قيمة عملاتها. لكن تبني البيتكوين كعملة رسمية في السلفادور تصرف يجافي المنطق.
في عام 2001، اعتمدت السلفادور الدولار الأمريكي كعملة رسمية لضمان الاستقرار النقدي الذي فشلت عملة البلاد الوطنية، الكولون، تاريخياً في توفيره. ونجح الإصلاح: فقد سجل معدل التضخم السنوي في البلاد، والذي تجاوز بأشواط 10% خلال الفترة من 1977 إلى 1995، انخفاضاً كبيراً منذ اعتماد الدولار. وكان أقل من 2% منذ عام 2012، وأقرب إلى الصِـفر منذ عام 2015 ــ وهو أمر نادر في أمريكا اللاتينية.
إن التخلي عن الاستقلال النقدي الذي يوفره إصدار الدولة لعملة خاصة بها لا يأتي دون تكاليف ــ وخاصة خسارة القدرة على تعديل السياسة النقدية في الاستجابة للظروف الاقتصادية المحلية ــ . قبلت السلفادور هذه التكاليف عندما تبنت الدولار. وستكون التكاليف أعظم إذا كانت عملة غير مستقرة مثل البيتكوين هي العملة الوطنية الوحيدة. لكن الرئيس نجيب بقيلة قرر بدلاً من ذلك تعيين كل من البيتكوين والدولار كعملة رسمية. والمنطق وراء هذا القرار سريالي خيالي.
لم تُـسـتَـقـبَـل عملة البيتكوين بالترحاب في السلفادور. لا يريد السكان المحليون أن يكونوا ملزمين بقبولها. والأسواق الدولية أيضاً غير متحمسة. فقد خفضت وكالة موديز درجة ديون السلفادور في يوليو، وقد تتبعها في ذلك وكالة ستاندرد آند بورز. كما ازداد الفارق بين سعر الفائدة الذي يجب أن تدفعه الحكومة على دينها وسعر الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية منذ الإعلان عن التحول إلى البيتكوين في يونيو.
* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد.
