00
إكسبو 2020 دبي اليوم

التحول الأخضر للقواعد المالية في أوروبا

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

إن الاتحاد الأوروبي على وشك إجراء مراجعة مطلوبة بشدة لوضعه المالي الراهن. يدرس الخبراء في المفوضية الأوروبية حالياً كيفية مراجعة القواعد المالية للاتحاد الأوروبي، وقد أبدت الحكومة الألمانية الجديدة استعدادها للنظر في التغييرات - على الرغم من أن أي تعديلات في القواعد ستكون محدودة على الأرجح، نظراً للخلافات داخل الائتلاف والسيطرة على وزارة المالية من قبل الديمقراطيين الأحرار المحافظين مالياً.

تُعد الحجج المؤيدة للإصلاح مُقنعة للغاية. بداية، لا تُشكل أسعار الفائدة على الديون العامة سوى جزءٍ بسيط مما كانت عليه في عام 1992، عندما تم التفاوض بشأن القواعد المالية للاتحاد الأوروبي. ففي عام 1992، بلغ متوسط أسعار الفائدة على سندات الحكومة الألمانية لعشر سنوات 8%. وفي ذلك الوقت، كانت تُعتبر نسبة 60 % من الناتج المحلي الإجمالي حداً حكيماً لمقدار الديون التي يمكن للحكومة تسديدها بأمان، حيث بلغ العجز السنوي في الميزانية نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ولذلك، من المؤكد أن العتبة القصوى اليوم أعلى.

في الواقع، تجاوزت نسب الديون في المرحلة التي أعقبت انتشار فيروس كورونا المُستجد الحد الأقصى للاقتراض الحكومي الذي يبلغ 60 %. وتُشكل الديون الحكومية في منطقة اليورو نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما تتجاوز ديون الحكومة اليونانية نسبة 200 %. تقضي القاعدة المُضافة في عام 2011 بأن تعمل الحكومات على التخلص من 5 % من الفائض كل عام إلى أن يتم الوصول إلى عتبة 60 %. وبالتالي، فإن الحكومة اليونانية مطالبة ظاهرياً بتحقيق فائض في الميزانية بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، على افتراض نمو الاقتصاد بمعدل يصل إلى 2 % سنوياً، وهو ما يرى صندوق النقد الدولي أنه أمر مُستبعد. لكن الاستمرار في تحقيق الفوائض لعقود من الزمان من شأنه أن يكون أمراً غير مسبوق بالنسبة للاقتصاد الحديث - مما يعني أن لا أحد يتوقع حدوثه.

وليس هناك سبب وجيه لحدوث ذلك. إن القيم المرجعية للديون والعجز بنسبة 60 % و3 % تفتقر إلى أي أساس اقتصادي. لقد تصادف أن نسبة 60 % كانت متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 1992.

يتقيد السائقون بقواعد المرور المنطقية؛ لكنهم يتجاهلون القواعد التعسفية والمُتقلبة. لقد شهدنا سلوكيات مماثلة من جانب صُناع السياسات المالية في أوروبا.

هذه أسباب كافية لإعادة النظر في الإطار المالي الأوروبي. لكن اليوم، نجد أن هناك سبباً آخر: الحاجة إلى إفساح المجال للاستثمارات العامة المُتعلقة بالمناخ. إن خفض انبعاثات الغازات المُسببة للانحباس الحراري في أوروبا بنسبة 55% بحلول نهاية العقد سوف يُكلف أكثر من 5 تريليونات يورو. ونظراً إلى أن الحد من انبعاثات الغازات المُسببة للانحباس الحراري يُشكل منفعة عامة، تميل الشركات التي تعمل وفقاً لآلياتها وإرادتها الخاصة إلى التقليل من استثماراتها.

قد يكون الاستثمار في الاقتصاد الأخضر مُؤهلاً. وحتى إذا لم يعمل على تعزيز النمو الاقتصادي، فقد يُساعد في تجنب كارثة مرتبطة بالمناخ ينخفض على إثرها معدل الناتج المحلي الإجمالي وتُصبح أعباء الديون غير قابلة للإدارة.

يخلق المستوى المُنخفض الحالي لأسعار الفائدة افتراضاً مفاده أن العديد من المشاريع الاستثمارية الخضراء ستنجح في الاختبار. وبطبيعة الحال، ليس هناك ما يضمن بقاء أسعار الفائدة مُنخفضة. وإذا ارتفعت، فسيُصبح تحقيق هدف الاقتراض لتمويل الاستثمار الأخضر أكثر صعوبة.

إذا فشلت بعض الاستثمارات الخضراء في الاختبار، فهذا لا يعني بالضرورة أنه لا ينبغي القيام بها. تُعد أزمة تغير المناخ مسألة أخلاقية فضلاً عن كونها مسألة اقتصادية ضيقة، ويُترك للمجتمع تحديد حجم الإنفاق على مكافحتها. لكنها حُجة لزيادة الضرائب أو خفض النفقات الأخرى والتي تُساعد في تنفيذ الاستثمار الأخضر دون حدوث عجز يُهدد القدرة على تحمل الديون.

وبالتالي، فإن القرار بشأن المبالغ التي ينبغي اقتراضها، وإلى أي مدى ينبغي الاعتماد على الضرائب والتخفيضات في النفقات الأخرى، سوف يزيد من احتمال توقعات أسعار الفائدة ومعدلات النمو، وكيفية تأثر هذه المتغيرات بالاستثمارات الخضراء. من المؤكد أن هناك حالة من عدم يقين تُحيط بهذه التوقعات. هذه هي الحياة.

أليس من الأفضل لو خضعت أشكال الإنفاق العام الأخرى أيضاً لهذا التقييم؟ يمكن للحكومات الأوروبية أن تحدد بشكل منهجي كيف ستؤثر برامج الإنفاق المختلفة الخاصة بها على الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات الضريبية، وبالتالي كيفية تطور نسبة الديون. وبوسعها إدراك حالة عدم اليقين المُحيطة بتوقعاتها وتحديد السيناريوهات السلبية والإيجابية. وبإمكانها تفويض مسؤولية التقييم إلى خبراء وطنيين مُستقلين، وكذا إلى المفوضية الأوروبية. ويمكن الفصل في النزاعات بواسطة دائرة مُتخصصة تابعة لمحكمة العدل الأوروبية.

لكن مهلاً - لقد تم طرح هذه المقترحات بالفعل! لكن لسوء الحظ، من المحتمل أن تُشكل عقبة بالنسبة للمجموعة الجديدة من صُناع السياسات الحذرين في ألمانيا.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا، بيركلي.

طباعة Email