ليست ميلبورن أكثر مدن أستراليا تميزاً. إذ لا توجد بها شواطئ سيدني الرملية، أو جاذبية بريسبان القوية التي تستمدها من فيلم «كروكودايل دندي».

وتقع ميلبورن على سهل منبسط، ويعبرها نهر متعرج. وهي عبارة عن تكتل حضري تبلغ مساحته نحو 10000 كيلومتر مربع (3681 ميلاً مربعاً)- أي ستة أضعاف مساحة لندن، و12 مرة حجم مدينة نيويورك - وبها مركز حضري مكتظ تحيط به الضواحي، ومع ذلك، غالباً ما تتصدر ميلبورن الترتيب الدولي لجودة الحياة. إذ لديها ثقافة شوارع غنية وساحة فنية مزدهرة.

كما أن منطقتها التجارية المركزية مكتظة في جميع الأوقات، وكذلك هي الأماكن العامة الجديدة التي كانت سابقاً حقولاً بُنية، مثل ساحة الاتحاد، ومنطقة «ساوث وارف» على طول نهر «يارا».

ويمكن أن ننسب قصة نجاح ميلبورن إلى خطة بلدية رئيسية وأحد مؤيديها الرئيسيين، روب آدامز. ولد آدامز في زيمبابوي، ودرس الهندسة المعمارية في جامعة «كيب تاون»، حيث طوّر مفهوماً فريداً من شأنه أن يجعل منه عنصراً رئيسياً في تحول ميلبورن.

وخلال فترة وجود آدامز في «كيب تاون» في أواخر الستينيات من القرن العشرين، كانت الجامعة تستعد لتوسيع كبير في الهيئة الطلابية وأعضاء هيئة التدريس. وكان النهج المعتاد هو توسيع نطاق الحرم الجامعي من خلال إنشاء مبانٍ جديدة أو توسيع المباني الموجودة. ولكن ربما بدافع القلق بشأن حماية هوية الجامعة، أو ببساطة بسبب القيود الطبوغرافية لموقعها على سفوح جبل تيبل، اختارت الإدارة بدلاً من ذلك حلاً غير مسبوق وهو توسيع جداولها الزمنية بدلاً من مساحتها. وعن طريق إضافة فصول مسائية وتعديل التقويم الأكاديمي، زادت الجامعة من قدرتها دون أن تزيد من مبانيها.

و كان آدامز حريصاً على جلب روح إعادة الجدولة إلى البيئة الحضرية. وعندما وصل إلى ميلبورن عام 1983 للعمل في الإدارة البلدية، كانت المدينة تعاني. إذ تحولت المنطقة التجارية وسط المدينة، على وجه الخصوص، إلى مدينة أشباح بسبب عدم اليقين الاقتصادي والهجرة الجماعية.

ولتغيير مسار المدينة، تذكر آدامز مبدأ إعادة الجدولة الذي تعلمه في الجامعة. ففي ذلك الوقت، كانت البنية التحتية للمناطق التجارية وسط مدينة ميلبورن نشطة فقط من الاثنين إلى الجمعة، من حوالي الساعة 9 صباحاً حتى الساعة 5 مساءً. وبدت هذه الفترة المحدودة طبيعية - فقد كانت هذه هي القاعدة بالنسبة للمناطق التجارية في جميع أنحاء العالم، بسبب عقائد التخطيط الحضري الحداثية للأحياء الوظيفية المنفصلة بصرامة. ولكن آدامز تساءل عما إذا كان هذا الإعداد قد استفاد على أفضل وجه من موارد المدينة.

وبتشجيع من آدمز، بعد انهيار سوق العقارات في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بدأت ميلبورن في تحويل مباني المكاتب الفارغة إلى مساكن جديدة وأعيد تصور المساحات الثقافية - إعادة جدولة المنطقة الراكدة.

وفي جميع دول العالم، يمكن أن تساعد مرونة العمل عن بُعد، التي نمت بصورة كبيرة في أعقاب جائحة «كوفيد 19»، في تسريع الانتقال إلى مدينة تمت إعادة جدولتها حقاً، حيث لا يتعين على السلوكيات الفردية اتباع الأسلوب نفسه.

وإذا تحققت هذه الرؤية، فلن تصبح مدننا أكثر استدامة فحسب، بل ستصبح أكثر اجتماعية وأقل انغلاقاً. وسيرجع الفضل في ذلك إلى النموذج القوي الذي أنشأته ميلبورن وأشرف عليه آدامز لعقود عدة.

* مدير مختبر (سنسيبل سيتي) بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا