00
إكسبو 2020 دبي اليوم

حل مشكلة تمويل المناخ

جيفري ساكس

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ في غلاسكو (COP26) قاصراً إلى حد بعيد في تحقيق ما يحتاجه كوكب آمن، ويرجع ذلك أساساً إلى انعدام الثقة، وهو نفس العامل الذي ألقى بعبء ثقيل على مفاوضات المناخ العالمية لما يقرب من ثلاثة عقود. إذ تنظر الدول النامية إلى تغير المناخ على أنه أزمة أكبر مسبب لها هي الدول الغنية، وتعتبره أيضاً تهرباً من مسؤوليتها التاريخية والمستمرة عن الأزمة. وخشية أن تدفع البلدان النامية الرئيسية الفواتير، فإن العديد منها، مثل الهند، لا تهتم كثيراً بالتفاوض أو بوضع استراتيجيات معينة.

ولدى هذه الدول وجهة نظر - بل في الواقع، عدة وجهات نظر. فالسلوك السيئ للولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود كان له تأثير كبير عليها. إذ على الرغم من المناشدات الجديرة للرئيس جو بايدن ومبعوث المناخ، جون كيري، باتخاذ الإجراءات اللازمة، لم يتمكن بايدن من دفع الكونغرس الأمريكي لاعتماد معيار الطاقة النظيفة. ويَحق لبايدن أن يشكو من كل ما يريده بشأن الصين، ولكن بعد 29 عاماً من عدم اتخاذ أي إجراء في الكونغرس منذ أن صادق مجلس الشيوخ على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 1992، أصبحت باقي دول العالم ترى الحقيقة: لا يزال الكونغرس الأمريكي المحطم والفاسد تحت سيطرة كبريات شركات النفط والفحم.

والتمويل هو لب الانقسام الجيوسياسي بشأن تغير المناخ. إذ تعاني البلدان النامية بالفعل من ضغوط لا حصر لها: جائحة كوفيد 19، والاقتصادات المحلية الضعيفة، والكوارث المتكررة والشديدة المرتبطة بالمناخ، واضطرابات العصر الرقمي المتعددة، والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، وارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة للقروض الدولية. وهي تشاهد الدول الغنية وهي تقترض تريليونات الدولارات في أسواق رأس المال بأسعار فائدة تقترب من الصفر، بينما يتعين عليها دفع 5 ـ 10 %، هذا إذا استطاعت الاقتراض أصلاً. وباختصار، ترى أن مجتمعاتها تتراجع متوارية خلف بعض البلدان ذات الدخل المرتفع.

وفي ظل هذه الخلفية من القلق الاقتصادي الشديد، ترى البلدان النامية أن الدول الغنية ترفض المناقشة الصريحة لأزمة التمويل التي تواجهها البلدان النامية عندما يتعلق الأمر بالتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، أو غيرها من الاحتياجات الملحة. وتدرك أن الدول الغنية تنفق 20 تريليون دولار إضافية أو نحو ذلك على اقتصاداتها استجابةً لكوفيد 19، لكنها تخفق بعد ذلك في الوفاء بوعدها - الذي يعود تاريخه إلى مؤتمر الأطراف الخامس عشر في عام 2009 ـ والذي يتمثل في تعبئة 100 مليار دولار سنوياً للعمل المناخي في البلدان النامية.

وبطبيعة الحال، تحَفُّظ بايدن بشأن تمويل العمل المناخي في البلدان النامية أمر طبيعي. إذ سيتعرض للهجوم في وسائل الإعلام الأمريكية القومية إذا دعا إلى مزيد من المساعدة الأمريكية للدول النامية، ولن يجني شيئاً من ذلك في الكونغرس. ومع تضاؤل النفوذ العالمي للولايات المتحدة، أصبح القوميون الأمريكيون أكثر عدوانية اتجاه باقي دول العالم. وسوف يمنع مؤيدو مبدأ «أمريكا أولاً» في الكونغرس اعتماد أي سياسات جديدة.

وهناك العديد من الحكومات في أوروبا التي تكاد تعتمد نفس الموقف، وهي تتأرجح بين الأحزاب القومية والدولية. إذ مع وجود عجز مرتفع إلى حد كبير في الميزانية في الدول الأوروبية في أعقاب كوفيد 19، فإن العديد من البرلمانات لا ترغب ببذل المزيد من الجهود - لا سيما بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يخصص بالفعل حصة أعلى بكثير من الدخل القومي الإجمالي (حوالي 0.5 %) للمساعدة في التنمية الرسمية مقارنة مع الولايات المتحدة (0.17 % فقط).

وهذا يجعلنا عالقين بين واقع أزمة مناخ عالمية مدمرة والسياسات القومية للدول الغنية، وتمويل مناخي على أساس المساهمات الطوعية من قبل الأثرياء. ونتج عن ذلك نقص شديد مزمن في تمويل المنافع العامة العالمية مثل المناخ الآمن، وأهداف التنمية المستدامة، ولقاحات كوفيد 19. وقد يتوسل القادة مثل بايدن إلى هيئاتهم التشريعية لتحمل المسؤولية، لكن المشَرعين يرون أنه من الأنسب سياسياً معارضة الأجانب «غير المستحقين» بشدة.

إن الإخفاقات المالية في كوب 26 مأساوية وعبثية، وتتجاوز الفشل الشامل في تعبئة 100 مليار دولار التي يوعد بها سنوياً. إذ جمع صندوق التكيف مع المناخ، المتفاخر به كثيراً، والذي أنشئ لمساعدة البلدان النامية على تلبية احتياجات التكيف الخاصة بها، 356 مليون دولار من التعهدات في كوب 26، أو ما يقرب من خمسة سنتات للفرد في البلدان النامية في العالم. وكان تمويل «الخسائر والأضرار» للتعافي وإعادة البناء من الكوارث المناخية، أسوأ حالاً، حيث لم توافق الدول الغنية إلا على إجراء «حوار» بشأن هذه القضية.

ويجب أن ينتهي هذا التطوع المالي. فنحن بحاجة إلى صيغة عالمية تحدد المسؤولية لكل دولة غنية. وفي هذه الحالة على الأقل، سيكون لدى المجتمع العالمي معيار للمطالبة باتخاذ إجراءات من الدول المتقاعسة مثل الولايات المتحدة.

وهناك نهج مباشر وقابل للتطبيق. للمساعدة في تمويل التحول إلى الطاقة النظيفة (التخفيف) والمقاومة المناخية (التكيف) في البلدان النامية، ستُفرض 5 دولارات لكل طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل بلد مرتفع الدخل. وسيتم جباية البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى 2.50 دولار للطن. وسرعان ما ستبدأ رسوم ثاني أكسيد الكربون هذه في الارتفاع تدريجياً، وستتضاعف في غضون خمس سنوات.

ويمكن للبلدان أن تدفع بسهولة مثل هذه المبالغ المتواضعة من عائدات ضرائب الكربون ومزادات تصاريح الانبعاثات، وبالنسبة لكليهما سيكون سعر طن واحد من ثاني أكسيد الكربون أعلى بكثير من الضريبة المفروضة.

وتصدر البلدان ذات الدخل المرتفع حالياً حوالي 12 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وتصدر البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى حوالي 16 مليار طن سنوياً، ومن ثم فإن مدفوعات الكربون ستضيف ما يقرب من 100 مليار دولار في البداية، وتتضاعف بعد خمس سنوات. وستوجَه الأموال إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وكذلك إلى بلدان معينة ذات نقاط ضعف خاصة بالمناخ (مثل الدول الجزرية الصغيرة التي تواجه ارتفاع مستويات سطح البحر وأعاصير مدارية أكثر حدة).

لنفترض أن نصف الأموال (50 مليار دولار في البداية) وزعت على أنها منح مباشرة، وأن الباقي يضخ في بنوك التنمية متعددة الأطراف في العالم، مثل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، كرأس مال جديد لدعم تمويل المناخ. ستستخدم بنوك التنمية المتعددة الأطراف رأس المال الجديد لجمع الأموال في أسواق رأس المال، ومن ثم، ستضاعف مبلغ 50 مليار دولار الجديد إلى 200 دولار في شكل سندات خضراء، والتي ستقرضها للبلدان النامية من أجل مشاريع المناخ.

وبهذه الطريقة، ستجمع ضريبة الكربون المتواضعة حوالي 250 مليار دولار في تمويل سنوي جديد للمناخ، وستتضاعف إلى حوالي 500 مليار دولار بعد خمس سنوات. ولتمويل الخسائر والأضرار، ستفرض ضريبة إضافية، ليس على الانبعاثات الحالية ولكن على مجموع الانبعاثات السابقة، من أجل مواءمة خسائر اليوم وأضراره مع المسؤولية التاريخية عن تغير المناخ. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، مسؤولة عن حوالي 20 % من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون منذ عام 1850. وإذا سعى صندوق الخسائر والأضرار العالمية الجديد إلى جمع 50 مليار دولار سنوياً، فإن الحصة السنوية للولايات المتحدة ستكون 10 مليارات دولار. ولن يكون الاتفاق على مبادئ الإيرادات هذه سهلاً بالطبع، ولكن يُستحسن بكثير النضال من أجل نظام جديد قائم على القواعد بدلاً من المراهنة على العمل التطوعي من أجل مستقبل الكوكب. فقد أكد مؤتمر كوب 26 على أن مطالبة السياسيين الوطنيين بالتصويت للحصول على تمويل طوعي للمنافع العامة العالمية هو طريق مسدود. فقد كان أمام سياسيي الدول الغنية عشر سنوات لجمع التمويل المناخي الموعود، لكنهم أخفقوا. إن النظام القائم على القواعد، مع تقاسم الأعباء بصورة عادلة وشفافة، هو السبيل لتأمين التمويل الذي نحتاجه لتحقيق السلامة والإنصاف على كوكب الأرض.

 

* أستاذ ومدير مركز التنمية المستدامة بجامعة كولومبيا، ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة.

opinion@albayan.ae

طباعة Email