00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المرونة الاقتصادية الصينية.. مصادر وتجارب ملهمة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

خلال العشرين سنة الماضية ظهر عدد من الشركات التقنية المزدهرة في الصين، ولقد أثار ذلك الكثير من التكهنات عن البراعة العلمية والتقنية للبلاد وقدرتها على الابتكار.

إن البعض يجادل بأن الصين قد بدأت بالفعل منافسة أمريكا في تلك المجالات، وأنها أصبحت متصدرة عالمياً في بعض القطاعات، والبعض الآخر يعتقد أن الصين ليست بالتطور الظاهر على السطح، وأن قيام الحكومة بتشديد الخناق تنظيمياً على شركات التقنية سوف يعيق تقدمها المستمر.. إذاً أيهما أصح؟

إن أولئك الذين يشككون في تقدم الصين يؤكدون اعتمادها على التقنية الغربية ويشيرون إلى أن الشركات التقنية المحلية لا تزال غير قادرة على منافسة نظيراتها الأمريكية عالمياً، ولكن المتفائلين في الصين يلاحظون أن تلك الشركات تستمر في توسعها العالمي السريع، وهذا يعكس قدرة الصين الاستثنائية على التعلم.

إن الفريق الأخير محق، ففي واقع الأمر فإن قدرة الصين على التعلم هو سر النجاح الاقتصادي للبلاد، وهذا يعكس آفاق الصين بشكل أكبر بكثير من دلالاته المتعلقة بمكانة البلاد من الناحية التكنولوجية، فالابتكار التكنولوجي ليس أحد مدخلات التنمية الاقتصادية بقدر ما هو ناتج لتلك التنمية التي يقودها رواد الأعمال، علماً بأنه من خلال بناء أعمال مزدهرة، يكتسب رواد الأعمال فرصاً لتطوير تقنيات وتطبيقات جديدة.

صحيح أن الصين واجهت تحديات خارجية متزايدة في السنوات الأخيرة بما في ذلك تشديد القيود على تقاسم التكنولوجيا من قبل الاقتصادات المتقدمة، وبالإضافة إلى ذلك فإن جهود الحكومة للمحافظة على نظام اقتصادي داخلي والتخفيف من المخاطر المالية من خلال زيادة القواعد التنظيمية التي تخضع لها الشركات التقنية، كانت مثيرة للجدل في السوق، كما يقال بأن بعض شركات التصنيع الأجنبية قد انسحبت من الصين.

لكن الاقتصاد لم يتوقف، بل على العكس من ذلك فإن الدافع المرتبط بريادة الأعمال الذي يحرك تطور الصين لا يزال قوياً، علماً بأن من العوامل المساعدة أن الصين لديها سوق داخلي ضخم يتكون من 1.4 مليار إنسان مرتبطين بأنظمة نقل متطورة جدا وشبكات اتصالات متقدمة، بالإضافة إلى سلاسل توريد مرنة وفعالة.

بينما العديد من الشركات الأجنبية أتت إلى الصين، ومن ثم خرجت منها، فإن هذا يحدث دائماً، وهذا لا يعود إلى أن الغرباء يعاملون بشكل غير عادل في السوق الصينية، فالموضوع بكل بساطة هو أن الشركات الأجنبية تصارع لمنافسة الشركات المحلية التي تتمتع بميزة كبيرة بما في ذلك روتين بيروقراطي أقل ومعرفة أعمق بالسوق.

وبالإضافة إلى ذلك وبينما قد تصل الشركات الأجنبية للصين ولديها ميزة تكنولوجية بسيطة، فإن هذه الميزة عادة ما تكون قصيرة الأمد، نظراً لسرعة تعلم الشركات الصينية.

واليوم فإن هناك أعداداً كبيرة من الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة الحجم الناجحة، وربما ليست أسماء معروفة. في واقع الأمر يطلق على تلك الشركات اسم «الأبطال غير المرئيين»، لكنها تبتكر دائماً في مجال تطبيق التقنيات المتقدمة كما أن مكانتها تستمر في النمو.

إن هناك أعداداً كبيرة من الشركات الصينية كذلك تخدم الزبائن خارج الصين، والعديد منها تحافظ على وجود أكبر بكثير في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بالصين، علماً بأن تلك الشركات تستخدم التخزين والتوزيع والأنظمة اللوجستية الفعالة في الصين، بالإضافة إلى قدرات الصين المتفوقة في تصميم المنتج والتصنيع وذلك من أجل تعزيز تنافسيتها في الأسواق الخارجية.

شاين هي شركة تجزئة للأزياء السريعة على الإنترنت تأسست في نانجينغ سنة 2008، وهي تُعتبر مثالاً نموذجياً لمثل تلك الشركات، فلقد بدأت كشركة للتجارة الإلكترونية عابرة الحدود، حيث كانت تبيع الملابس من خلال منصات مثل أمازون وإيباي، لكن في سنة 2014 أنشأت الشركة علامة تجارية خاصة بها وأطلقت موقعاً إلكترونياً وتطبيقاً في الأسواق في جميع أرجاء العالم، وذلك من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إلى الشرق الأوسط والهند.

لقد ازدهرت شاين من خلال بيع ملابس رخيصة الثمن مباشرة إلى الزبائن ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت ثاني أكثر مواقع التجارة الإلكترونية شعبية بالنسبة للشباب الأمريكيين بعد أمازون. وطبقاً لمؤشرات متصفح غوغل فإن المستخدمين في الولايات المتحدة الأمريكية، السوق الأول بالنسبة لشاين، يبحثون عن شاين أكثر بثلاثة أضعاف من بحثهم عن زارا.

على الرغم من أن قيمة شاين تقدّر بمبلغ 15 مليار دولار أمريكي، فإنها لم تكن معروفة في الصين حتى العام الماضي، وذلك عندما تم إدراجها كواحدة من شركات اليونيكورن العشر الكبرى في الصين (شركات اليونيكورن هي الشركات الخاصة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار أمريكي)، وهذا بسبب أن شاين لا تخدم السوق الصيني.

وبدلاً من ذلك، استفادت من مزايا الصين نتيجة لمبالغ ضخمة من الاستثمار الحكومي على مدار العشرين عاماً الماضية، لبناء سلسلة التوريد المرنة الخاصة بها، والتي تتركز في جوانغدونغ، مركز التصنيع الأكثر تطوراً في البلاد.

وبفضل سلسلة التوريد تلك، يقال إن شاين قادرة على أن تنتهي من المنتج وذلك من التصميم إلى الإنتاج خلال عشرة أيام. إن منافسيها في مجال الأزياء السريعة، والتي عادة ما يتم تصميم منتجاتهم في أوروبا ومن ثم يتم تصنيعها في جنوب شرق آسيا والصين وإرسالها إلى المقرات الرئيسية الأوروبية من أجل التخزين، ومن ثم شحنها للأسواق العالمية، لا تستطيع ببساطة المواكبة، علماً بأن شاين بدأت كذلك في بناء مخازن في بعض الأسواق الرئيسية.

إن شاين لا تعتبر حالة استثنائية، فالصين تفخر بوجود منصات تجارة إلكترونية عابرة للحدود أخرى في مجال الأزياء السريعة، علماً بأنه يوجد في الصين حتى العام الماضي 251 من شركات اليونيكورن. إن القائمة تشمل تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي مثل تطبيق تيك توك الذي اجتاح العالم. إن تأثير شركات الإنترنت الصينية كبير، ولا يزال ينمو في أسواق أوروبا وأمريكا وجنوب آسيا.

يعود الفضل جزئياً للحكومة الصينية، فبعد تفشي مرض سارس سنة 2003، عملت الحكومة الصينية على دعم توسيع التجارة الإلكترونية.

ولاحقاً لذلك ومن أجل التعويض عن صدمة الأزمة المالية العالمية سنة 2008، عملت الحكومة استثمارات مستمرة في شبكات الإنترنت والاتصالات والنقل وأنظمة الدفع باستخدام الهاتف النقال والقدرات اللوجستية والتخزين وسلاسل التوريد مع تشجيع الروابط بين القطاعات، وتلك الجهود ساعدت في تقوية واستدامة مصادر المستوى الأساسي للاقتصاد المتعلقة بالديناميكية المبتكرة.

في واقع الأمر يعاني الاقتصاد الصيني الضخم جداً وسريع النمو من مشاكل هيكلية، يبدو أنها لا تتوافق مع ديناميكيته الكامنة، وهذا التناقض الواضح هو تذكير بتعقيدات الاقتصاد، فعلى سبيل المثال نظراً لأن القطاع الذي تملكه الدولة يستحوذ على نصيب غير متناسب من الموارد المالية، فإنه عادة ما يعتبر مصدراً لسوء تخصيص الموارد.

ولكن الدراسات الأخيرة وجدت أن الشركات التي تملكها الدولة قد تكون قد عملت كقناة غير رسمية للتخفيف من قيود التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

إن أولئك الذين يركزون بشكل مفرط على الظواهر الموجودة على السطح سوف يستمرون في التقليل من شأن المرونة الاقتصادية الصينية. لا يمكن للمرء أن يفهم حقاً الاقتصاد الصيني وآفاقه دون الالتفات إلى الديناميكية التي لا يمكن كبح جماحها والتي تشكل قاعدته.

* عميد كلية الاقتصاد في جامعة فودان ومدير مركز الصين للدراسات الاقتصادية، وهو مركز أبحاث مقره شنغهاي.

 

طباعة Email