00
إكسبو 2020 دبي اليوم

القضاة في الولايات المتحدة ودوائر الشعبوية

إريك بوزنر

ت + ت - الحجم الطبيعي

في غضون هذا الأسبوع، ستشرع المحكمة العليا في الولايات المتحدة في تولي شؤون ولايتها لعام 2021، وسط الكثير من الشائعات القائلة بأنها فقدت ثقة الناس، إذ خلص استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» مؤخراً إلى أن 40% فقط من عامة الناس يوافقون على الطريقة التي تنفذ بها المحكمة مهامها، وهو أدنى مستوى منذ بدء الدراسة الاستقصائية في عام 2000 (عندما حظيت المحكمة بتأييد 62%).

ويعبر بعض القضاة عن قلقهم بشأن ذلك، فقد أدلى كل من ستيفن براير، وكلارنس توماس، وصمويل أليتو، وإيمي كوني باريت، بتصريحات علنية في الآونة الأخيرة، تؤكد أن المحكمة ليست مُسَيَّسَة، أو كما قال باريت بصورة غير واضحة: «لا تتكون من مجموعة من المتسللين الحزبيين».

ولكن يجب أن تؤخذ استطلاعات الرأي العامة بعين الاعتبار، إذ دائماً ما تكون الآراء متقلبة عندما يتعلق الأمر بسمعة المحكمة، فقد تراجعت نسبة تأييد هذه الأخيرة إلى ما يقرب من مستوى 40% في الماضي قبل أن تتعافى، وهي حالياً أفضل بكثير من سمعة الرئاسة، والكونغرس، ومعظم المؤسسات الفيدرالية الأخرى.

وفضلاً عن ذلك، لا تنحرف قرارات المحكمة عن الرأي العام بقدر ما قد يظنه المرء من خلال الكثير من التغطية الإعلامية، إذ خلصت دراسة حديثة أجراها مشروع الرأي العام للمحكمة العليا في جامعة هارفارد إلى أن غالبية المجيبين عن الأسئلة كانوا سيتخذون بشأن 15 قضية علنية من 22 نفس القرارات الذي اتخذتها المحكمة خلال ولايتيها الأخيرتين.

ماذا يحصل إذاً؟ إن جزءاً من الإجابة هو أن المناورات السياسية بشأن التعيينات القضائية قد أصبحت ظاهرة للعيان، إذ لا يزال الديمقراطيون غاضبين من تمكن الجمهوريين من عرقلة ميريك جارلاند، مرشح الرئيس باراك أوباما للمحكمة العليا، في عام 2016، والتأكيدات اللاحقة لثلاثة قضاة من ذوي الميول اليمينية، رشحهم الرئيس دونالد ترامب.

لقد أصبحت التعيينات في المحكمة العليا أحداثاً حزبية ومشحونة أيديولوجياً، أكثر بكثير مما كانت عليه في الماضي. ولهذا السبب، منذ أن ارتكب مرشح الرئيس رونالد ريغان، روبرت بورك، خطأ الدفاع عن آرائه بصراحة في عام 1987، اقتصر المرشحون على الابتذال والتفاهات، مما جعل تأكيد مجلس الشيوخ، العنصر الديمقراطي الوحيد في التعيينات القضائية، إجراءً شكلياً لا معنى له.

ولكنّ جزءاً آخر من الإجابة حظي بأقل قدر من الاهتمام، إذ تتخذ المحكمة موقفاً يزداد شذوذاً بصفتها مؤسسة نخبوية في عصر شعبوي. والمحكمة العليا هي الفرع الأقل ديمقراطية في الحكومة الفيدرالية، وقد صُممت منذ البداية لمنع الهيئات التشريعية من استرضاء الأغلبية التي تسعى لتقويض حقوق الأقلية، لا سيما الحق في الملكية، بما في ذلك ملكية العبيد. ووفقاً لذلك، يخدم القضاة مدى الحياة، على عكس جميع قضاة الولايات تقريباً في الولايات المتحدة، الذين ينتخبون أو يعينون لفترات محددة، وهو ما يعني عموماً 30 عاماً أو نحو ذلك في هيئة المحكمة.

واليوم، حصل ثمانية من القضاة التسعة على شهاداتهم في القانون من جامعة هارفارد أو ييل، وجميعهم أعضاء أصليون في الطبقة المهنية، ومعظمهم من الأثرياء، ويرتدون ملابس تشبه تلك التي يرتديها القساوسة، ويتداولون في مبنى صُمم على طراز المعبد اليوناني، ويعبرون عن آرائهم بلغة تقنية لا يمكن أن يستوعبها إلا المحامون، وغالباً ما يخفي هذا أسباب قراراتهم أكثر مما يكشف عنها. إنهم، لجميع الأغراض العملية، محصنون من العزل، وحتى من الرقابة الصارمة، لأن المحكمة هيئة ذاتية التنظيم.

وهناك بالطبع أسباب لهذه القواعد والممارسات، ولكن في بلد يشك بصورة متزايدة في قيمة الخبرة وبيانات الاعتماد والسلطة، تعد المحكمة هدفاً ضعيفاً، تماماً مثل وكالة حماية البيئة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي وإدارة الغذاء والدواء. والمحكمة في وضع غير مؤات حتى بالمقارنة مع هذه الدمى المحشوة، إذ يمكن لهذه المؤسسات أن تدافع عن نفسها من خلال الإشارة إلى تأثيرها على جودة الهواء، والسياسة النقدية، وسلامة الأدوية، على التوالي، في حين أن القضاة لا يسعهم أن يفعلوا سوى القليل بخلاف الإصرار على صحة تفسيراتهم للقانون. وهذا ليس دفاعاً موثوقاً به بصورة خاصة، فإلى يومنا هذا، لا يزال العلماء القانونيون يناقشون ما إذا كان حكم ماربوري ضد ماديسون، وهو الحكم التاريخي الذي صدر عام 1803، الذي أرسى مبدأ المراجعة القضائية للتشريع، قراراً صائباً.

لذا، تعتبر المحكمة هدفاً طبيعياً للشعبويين، وللمرشحين الرئيسيين الذين يخدمون الدوافع الشعبوية. فعلى سبيل المثال، قام ترامب بصورة روتينية بمهاجمة القضاة الفيدراليين الذين حكموا ضد رغباته، واستهدف اثنين من قضاة المحكمة العليا الليبرالية، هما: سونيا سوتومايور، وروث بادر جينسبيرغ لانتقادهما له ولسياساته. وخلال الحملة الرئاسية لعام 2020، رفض جو بايدن رفضاً قاطعاً الاستجابة لدعوات اليسار لتعبئة المحكمة، بالضغط على الكونغرس لتوسيع حجمها، ومنذ ذلك الحين عين لجنة لتقييم الإصلاح القضائي. ورغم أن اليساريين هم من تولوا تأطير التعبئة في المحكمة كرد ضروري على التلاعب الجمهوري بعملية التعيينات، إلا أنها سياسة يفضلها القادة الاستبداديون الذين يعتبرون المحاكم المستقلة تهديداً لسلطتهم. ويبدو أن القضاة يدركون أن التهديد الذي تتعرض له المحكمة ليس حزبياً بقدر ما هو شعبوي. وردهم المعتاد على اتهامات التسييس هو أن المحكمة تميل إلى الانقسام حول القضايا الحساسة سياسياً، مثل الإجهاض والعرق لأن هذه القضايا صعبة.

ولكن مجرد قول هذا لن يقنع أي شخص. فإذا تسببت الفلسفات القضائية في انقسام القضاة المعينين من قبل الجمهوريين والديمقراطيين بطرق يمكن التنبؤ بها في القضايا الحساسة سياسياً، كما هو الحال في الواقع، فمن المسلّم به أن المسؤولين المنتخبين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي سيتدخلون حتماً لدعم أو معارضة المرشحين على أساس الانتماء السياسي للرئيس الذي يعينهم. وحالما يتم تأسيس هذا المعيار، يصبح من الصعب أن نرى كيف أن «الفلسفات القضائية» ليست سوى حزبية. والواقع أن المعلقين وحتى بعض القضاة جادلوا بأن الفلسفات القضائية السائدة «الأصلانية» (على اليمين)، وما يسمى أحياناً «تعزيز التمثيل» (على اليسار)، هي ببساطة أدوات لتعزيز الأهداف الأيديولوجية.

وتكمن مشكلة قضاة اليوم في أنهم حتى لو كانوا يتبعون فلسفاتهم القضائية بضمير حي أينما تولوا القيادة، فقد عُينوا وتم تأكيد ذلك من قبل الجهات الفاعلة الحزبية على أساس توقعات دقيقة إلى حد معقول لقراراتهم. وهكذا، ربما لا ينبغي أن نتفاجأ من أن أليتو، الذي يوجه الشعبوية، يلوم وسائل الإعلام على الهجمات ضد المحكمة، أو أن باريت تتحدث عن كيفية وقوفها في طوابير أمام متاجر البقالة، وتشارك في مسارات السيارات متعددة الركاب، تماماً مثل عامة الناس.

وقد تبدو الدفاعات الشعبوية ضد الهجمات الشعبوية كلها جيدة. ولكن في عالم يُفترض فيه أن يكون قضاة المحكمة العليا أشخاصاً عاديين يشترون مواد البقالة، قد يبدأ الناس في التساؤل عن السبب الذي يجعل الرؤساء من كلا الحزبين يرشحون فقط أعضاء رابطة اللبلاب والأساتذة السابقين.

 

* أستاذ بكلية الحقوق بجامعة شيكاغو، ومؤلف كتاب «How Antitrust Failed Workers»

opinion@albayan.ae

طباعة Email