إن عالمنا في مواجهته مع التغيرات المناخية لا يحتاج فقط إلى إزالة كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، بل يتوجب علينا كذلك إيجاد حلول تخزين طويلة المدى لإبقائها مغلقة لمئات أو حتى آلاف السنين، وهنا تكمن الفجوة الأكبر بين هدف صافي صفر انبعاثات وبين التقنيات الحالية.
من الذي يجب أن يتحمل تكاليف التصدي للمشكلة؟. إن من المؤكد أن الكثير من الناس يجادلون بأن البلدان والشركات المسؤولة عن الحصة الأكبر من الانبعاثات العالمية التاريخية يجب أن تتحمل مسؤولية مماثلة عن إزالة ثاني أكسيد الكربون.
يتوجب على الحكومات الوطنية والصناعات العالمية على حد سواء العمل بشكل فوري لتخفيض الانبعاثات. إن الاكتفاء فقط بالتعهد للتصرف مستقبلاً لم يعد أمراً مقبولاً، وكلما فشلنا في تأمين المزيد من مسارات التنمية المستدامة، أصبح من الصعب المحافظة على درجات الحرارة العالمية بمستوى آمن، علماً أنه حتى لو تمكّنا من تخفيض الانبعاثات السنوية قليلاً، فإن الكمية التراكمية من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هي ما يهم فعلاً ولو أن هذه الكمية لا تزال تنمو فإن المشكلة ستبقى بدون حل. إلى وجود مسؤولين عالميين في كل مكان يدركون فداحة أزمة الاحتباس الحراري الملحة التي نواجهها، حيث المطلوب الآن هو تعاون جذري وعمل منسق من الجميع، علماً أنه ليس فقط الأجيال القادمة التي تعتمد علينا، بل أيضاً مئات الملايين من البشر الذين يعانون بالفعل من موجات الحر المريعة والحرائق والفيضانات والجفاف والعواصف، ومن كالفورنيا وتكساس إلى مناطق بأكملها في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط فإن العواقب الكارثية للأزمة المناخية تتضاعف وبينما تكاليف تخفيض الانبعاثات كبيرة، إلا أن هذه لا تكاد تذكر مقارنة بتكاليف الفشل في تحقيق ذلك.
يقوم قادة العالم وبشكل متزايد بعمل التزامات طموحة بخفض انبعاثات غاز الاحتباس الحراري والحد من التأثيرات الكارثية للتغير المناخي، ولكن من أجل تحويل الالتزامات إلى نتائج، يجب عمل المزيد من أجل إزالة الكربون من جميع قطاعات الاقتصاد العالمي سريعاً.
إن هذه العملية ستكون أسهل نسبياً لقطاعات مثل الكهرباء وسيارات الركاب، حيث إن حلول الطاقة النظيفة جاهزة للاستخدام على نطاق واسع، ولكن سيكون الأمر أصعب بكثير بالنسبة للطيران والأسمنت والشحن والصلب وغيرها من القطاعات صعبة التخفيف.
إن تحقيق صافي صفر انبعاثات في تلك القطاعات يتطلب إضفاء الطابع التجاري على التقنيات، والتي تعتبر غير جاهزة بعد للاستخدام على نطاق واسع، علماً أن إضفاء مثل هذا الطابع التجاري سوف يتطلب التنسيق بين الصناعات. يحتاج موردو المنتجات مثل الصلب إلى وجود توافق بينهم وبين زبائنهم والشركاء الماليين وصناع السياسات وغيرهم من أصحاب المصلحة للاتفاق على مسار لنزع الكربون بالنسبة لصناعاتهم. إن مثل هذا التوافق يعتبر ضرورياً للتحقق من أن الجميع يفهمون ما هي التقنيات التي تتقدم وما هي وتيرة ذلك التقدم وبوجود تلك المعرفة يمكن للجميع التوافق على عملية الاستثمار في الأصول منخفضة الكربون ذات دورات الحياة الطويلة، مثل مصانع الصلب ومصانع الأسمنت والسفن والطائرات.
إن تحقيق هذا المستوى من التوافق عبر الصناعات العالمية ليس سهلاً، ولكن يمكن تحقيقه.
إن تحالف شراكة المهمة المستحيلة هو ائتلاف عالمي للقادة الصناعيين وقادة المناخ يركّز على تكثيف الجهود لإزالة الكربون من بعض أكثر صناعات العالم انبعاثاً في السنوات العشر القادمة.
بينما ركّزت مؤتمرات الأمم المتحدة للتغير المناخي السابقة بشكل أساسي على الالتزامات الوطنية وصناعة السياسات، فإن هناك حاجة لتفعيل آليات إضافية من أجل تسريع وتيرة تخفيض الانبعاثات. إن الأهداف المناخية الطموحة لن تكون في متناول اليد حتى يقوم قادة الصناعات التي تنتج معظم الانبعاثات بإزالة الكربون من سلاسل التوريد العالمي بأكملها، وكما يحب زميلي السابق بول بودنار من شركة بلاك روك أن يقول: «الاقتصاد الحقيقي ليس مسألة ثانوية». إن رفع الصناعة إلى نفس المستوى من الأهمية مثل الحكومات الوطنية هو أمر حيوي.
إن هناك بضع تقنيات رئيسية ستكون ضرورية من أجل نجاح جهود إزالة الكربون في جميع القطاعات التي يصعب تخفيفها، ومن أهم تلك التقنيات الهيدروجين الأخضر والذي يتم إنتاجه مع الكهرباء المتجددة والتحليل الكهربائي. إن هناك جهوداً جارية بالفعل لتوسيع نطاق إنتاج الهيدروجين الأخضر، وذلك من خلال برامج مثل «غرين هيدروجين كاتابيولت» وبرنامج وزارة الطاقة الأمريكية الذي تم الإعلان عنه مؤخراً «هيدروجين شوت»، والذي تم تصميمه على غرار برنامج «سن شوت» الذي نجح بشكل سريع في خفض تكاليف الألواح الشمسية، وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك إشارات مبكرة على ارتفاع الطلب الصناعي على المنتجات منخفضة الانبعاثات التي يوفرها الهيدروجين الأخضر، فعلى سبيل المثال أعلنت شركة فولفو لصناعة السيارات أنها سوف تحصل على الصلب الخالي من الوقود الأحفوري من مشروع الصلب الأخضر السويدي «هابريت».
* الرئيس التنفيذي لشركة أر م أي.

