من الواضح أن هناك حاجة إلى المزيد من التغييرات الجذرية في سياساتنا الاقتصادية والاجتماعية والنقدية بالعالم أجمع، مثل فرض ضرائب الكربون، والوقف الاختياري الدائم لاستخراج الموارد الطبيعية، وما إلى ذلك. غالباً ما يتم استبعاد هذه السياسات باعتبارها آليات من شأنها أن تُشوه الأسواق، ومع ذلك فإنها تجعل الأسواق التي لا وجود لها في العالم الحقيقي مثالية.

بعد كل شيء، فقد عملت الحكومات على دعم صناعة الوقود الأحفوري بسخاء على مدى عقود من الزمان، حيث أنفقت 5.5 تريليونات دولار (سواء قبل أو بعد فرض الضرائب)، أو 6.8 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في عام 2017، وإذا ما استنفدت شركات الوقود الأحفوري أرباحها للتعويض عن هذه الإعفاءات الضريبية، فإنها تستطيع ببساطة بيع نفسها لشركة أكثر ربحية، وبالتالي مكافأة مساهميها على ولائهم. تمت كتابة نص هذه الاستراتيجيات منذ فترة طويلة في قانون عمليات الدمج والاستحواذ.

في الواقع، لقد أهدر العالم عقوداً من الزمان في التلاعب بمخططات تجارة الكربون ووضع العلامات المالية «الخضراء»، حيث تُعتبر المزاعم الحالية مجرد ابتكار لاستراتيجيات خيالية («تعويضات الكربون») في تحد لحقيقة بسيطة، مفادها أن البشرية تُواجه الأزمة نفسها. قد تخدم «التعويضات» أصحاب الأصول الفرديين، لكنها لن تُساعد في تجنب الكارثة المناخية، التي تنتظرنا جميعاً.

لقد تسبب اندلاع موجات الحر والفيضانات والجفاف ونشوب حرائق الغابات في تدمير المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ويُتوقع أن تزداد حدتها مع مرور الوقت، وفي حين لا يزال من ينكرون التغير المناخي مُصرين على موقفهم، فإن الحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة أصبحت الآن واضحة حتى خارج دوائر النشطاء، فالحكومات والمنظمات الدولية، وحتى قطاعات الأعمال التجارية والشؤون المالية، تستسلم للأمر الواقع- أو هكذا يبدو الأمر.

يبدو أن تبني القطاع الخاص «للرأسمالية الخضراء» هو وسيلة تحايل أخرى لتجنب الحسابات الحقيقية. إذا كان كبار رجال الأعمال والمستثمرين جادين، فقد يُدركون الحاجة إلى تغيير المسار بشكل جذري، لضمان بقاء هذا الكوكب ملائماً للبشرية جمعاء الآن وفي المستقبل.

إن مفهوم الرأسمالية الخضراء يعني ضمناً أن تكاليف التصدي لأزمة تغير المناخ باهظة للغاية، ما يجعل الحكومات عاجزة عن تحملها بمفردها، وأن القطاع الخاص لديه دوماً حلولاً أفضل، ولذلك، سوف تضمن الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالنسبة لمؤيدي الرأسمالية الخضراء أن يكون الانتقال من الرأسمالية البُنية إلى الرأسمالية الخضراء مُحايداً من حيث التكاليف. من المفترض أن تؤدي الاستثمارات ذات الأسعار الفعالة في التقنيات الجديدة إلى منع البشرية من الانزلاق إلى الهاوية.

هذا يبدو جيداً للغاية، لكنه بعيد عن الحقيقة.

إن ثلثي إجمالي الانبعاثات منذ الثورة الصناعية تسببها 90 شركة فقط. ومع ذلك، حتى لو كان مالكو أكبر الشركات الملوِثة في العالم على استعداد لتنفيذ عملية إزالة الكربون بشكل سريع، فإن أصحاب الأسهم سيُعارضون هذه الخطوة. ولعقود من الزمان، كان تعظيم قيمة المساهمين سائداً، وأدرك المديرون أنهم إذا انحرفوا عن المبادئ التقليدية، فسيتم مقاضاتهم بتهمة انتهاك واجباتهم الائتمانية.

لا عجب أن كبار رجال الأعمال والمستثمرين يُطالبون الآن بالكشف عن البيانات المُتعلقة بالمناخ باعتباره الحل الأمثل للخروج من الأزمة.

يتمثل أصل جميع الإعانات المالية في العملية التي استمرت لقرون من الزمن، والتي تتلخص في ترميز رأس المال بشكل قانوني من خلال قانون الملكية والشركات والائتمان والإفلاس، فالقانون، وليس الأسواق أو الشركات، هو الذي يحمي مالكي الأصول الرأسمالية حتى مع فرضهم مسؤوليات ضخمة على الآخرين.

يأمل أنصار الرأسمالية الخضراء في مواصلة هذه اللعبة، لهذا السبب، يقومون بالضغط على الحكومات لدعم استبدال الأصول، حيث سيرتفع سعر الأصول الخضراء مع انخفاض سعر الأصول البنية لتعويض مالكي الأصول.

بدلاً من معالجة مثل هذه التساؤلات، استسلمت الحكومات والهيئات التنظيمية مرة أخرى لصفارة الإنذار الخاصة بالآليات المُواتية للسوق. يُركز الإجماع الجديد على الإقرارات المالية، حيث يَعد هذا المسار بالتغيير دون الحاجة إلى تنفيذه. وقد يؤدي ذلك إلى خلق فرص عمل لصناعات كاملة من المحاسبين والمحامين وخبراء الأعمال الاستشاريين، الذين يتمتعون بأدوات ضغط قوية خاصة بهم.

ليس من المستغرب أن تكون النتيجة موجة من سلوكيات الغسل الأخضر.

إن الوقت المُتاح بدأ ينفد. إذا كان تخضير الاقتصاد هو الهدف الذي نسعى حقاً لتحقيقه، فستكون الخطوة الأولى هي إلغاء جميع الإعانات المباشرة والإعانات الضريبية للرأسمالية البنية، وإصدار الأمر بوقف ممارسات استخدام الكربون. يتعين على الحكومات أيضاً عدم حماية الشركات الملوثة ومالكيها، والمستثمرين المسؤولين عن الأضرار البيئية، ومن قبيل المُصادفة أن مثل هذه التدابير من شأنها أيضاً أن تُزيل بعض أسوأ تشوهات السوق.

* أستاذة القانون المقارن بكلية كولومبيا للقانون ومؤلفة كتاب «قانون رأس المال: كيف يخلق القانون الثروة وعدم المساواة»

opinion@albayan.ae