تواجه البشرية اليوم تهديدات مناخية وبيئية مرعبة. وفي حين لا تزال الفرصة سانحة لخفض انبعاثات غازات الانحباس الحراري الكوكبي بالسرعة اللازمة من أجل إبقاء الاحترار العالمي أقل من 1.5 درجة مئوية، فإن فقدان التنوع البيولوجي يجري بالفعل على قدم وساق. في الواقع، نحن نتحرك نحو نقطة الانهيار الحضاري أسرع مما كان يعتقد العلماء سابقاً.
يعتقد كثيرون، ومن ضمنهم شخصيات بارزة في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، أن ضمان بقاء الحضارة الإنسانية هو مهمة يمكن أن تُسند إلى أسواق رأس المال الخاصة.
إذا ما أردنا أن نتجنب حدوث انهيار سياسي ومناخي، فيتعين علينا أن نعكف على تغيير النظام النقدي الدولي بحيث يدعم الديمقراطية واستقلالية سياسات الدول القومية. وهذا يعني إعادة فرض ضوابط رأس المال، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي العالمي، وإعادة تأميم المعاشات التقاعدية، واستعادة السلطة السياسية والاقتصادية للمجالس المنتخبة، وليس لمديريها التنفيذيين ومحافظي البنوك المركزية فحسب.

قبل خمسين عاماً، أغلق رئيس أمريكي نافذة الذهب، وأنهى ضوابط رأس المال، وأعلن بداية عهد جديد من التمويل الذي تحكمه العولمة. بين عشية وضحاها، أعادت «صدمة نيكسون» تشكيل النظام النقدي الدولي، ثم غيرت تدريجياً من وضع القائمين على البنوك المركزية. فبدلاً من العمل في خدمة الاقتصاد المحلي، بات صانعو السياسة النقدية سادة الاقتصاد العالمي الخاضع للعولمة، والذي يتسم بالتوسع المالي. والحق أن هذا التطور يؤثر بصورة مباشرة على قدرتنا على معالجة مشكلتي تغير المناخ وخسارة التنوع البيولوجي.
على الرغم من غموضهم التكنوقراطي، إلا أن القائمين على البنوك المركزية هم موظفون حكوميون مُعينون سياسياً على كشوف المرتبات الحكومية، ولا يزالون يستمدون سلطتهم من دافعي الضرائب في ولاياتهم القضائية. وكما يلاحظ نائب محافظ بنك إنجلترا السابق بول تاكر، فإن «الحق في خلق النقود هو دائماً سلطة ضريبية مستترة».
بناءً على ذلك، يُعد وضع المصرفيين المركزيين ودورهم الدستوري في الأساس مسألة ديمقراطية، وليست اقتصادية أو تقنية. وبصفتهم مديري المؤسسات العامة التي تحتكر إصدار العملات والسيولة، فإنهم يمتلكون أدوات قوية ومذهلة تحت تصرفهم لمجرد كونهم مدعومين بخزانات الحكومة.
على الرغم من سيادة أيديولوجية «الأسواق الحرة» منذ فترة طويلة، لطالما اعتمدت الرأسمالية على المؤسسات والموارد العامة لتحقيق مكاسب وأرباح رأس المال، تماماً كما ترأست البنوك المركزية دائماً نظاماً مالياً هجيناً بين القطاعين العام والخاص. والأمر الجديد هو مدى اتساع موارد البنوك المركزية (الميزانيات العمومية) وتوظيفها في خدمة المصالح الخاصة لأسواق رأسمالية ضخمة، وغير منظمة، ومحفوفة بمخاطر جهازية عبر نظام «الظل المصرفي».
في معرض تلخيصه لتاريخ هذه التطورات، يلاحظ الخبير الاقتصادي السياسي بنجامين براون أن «أزمة الركود التضخمي في السبعينيات، إلى جانب حملة بول فولكر، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق، ضد التضخم في الولايات المتحدة في أوائل الثمانينيات»، أدت إلى نقل مسؤولية السياسة النقدية بعيداً عن أولئك المسؤولين بصفة مباشرة أمام ممثلين منتخبين. ويحتج براون بأنه منذ ذلك الحين، اعتمد رأس المال الناتج عن التوسع المالي على بنوك مركزية وهيئات تحكيم «مستقلة» لحمايته «ضد الديمقراطية المحلية».
في الوقت ذاته، عمل بنك التسويات الدولية على حساب قيمة الإجراءات المالية، والنقدية، والتحوطية الكلية غير الاعتيادية التي اتبعتها البنوك المركزية منذ عام 2007 لدعم الأسواق المالية الخاصة والتخفيف من آثارها الاقتصادية السلبية. وجدير بالذكر أن خبراء بنك التسويات الدولية الاقتصاديين وجدوا أن برامج البنوك المركزية المخصصة لشراء أصول خاصة شكلت نصف إجمالي المشتريات خلال هذه الفترة. وكما أوضح باحثون آخرون، فقد ذهب جزء كبير من هذه التدفقات المالية لدعم الوقود الأحفوري وقطاعات أخرى كثيفة الانبعاثات الكربونية.
الواقع أن المبالغ الإجمالية المتضمنة في هذا الصدد ضخمة. في فترة الكساد العظيم، كان الوجه الذي ارتبط بالاستجابة للأزمة في عقول معظم الأمريكيين هو الرئيس المنتخب ديمقراطياً، فرانكلين روزفلت، فهل من المفترض الآن أن تتجه الأنظار إلى مدير صندوق غير منتخب وغير خاضع للمساءلة، أو ربما إلى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، لإنقاذ الحضارة الإنسانية من الانهيار؟ الواقع أن الهيكل الحالي، الذي يسوده التمويل الخاضع للعولمة، يفسح المجال أمام هذه النتيجة غير الديمقراطية تحديداً. لكن ينبغي لنا أن نقاوم ذلك، حتى لا ينتهي بنا المطاف بعودة الفاشية، بالإضافة إلى أزمة المناخ.
من المؤكد أنه لا بد من استمرار الفصل بين السلطات بين السياسيين والبنوك المركزية لتجنب الفساد، لكن ينبغي مطالبة القائمين على البنوك المركزية، من خلال التشريعات، بإعادة توجيه المجموعة الواسعة من أدوات التخطيط المتاحة لهم لخدمة احتياجات الديمقراطية والاقتصاد المحلي.
قبل خمسين عاماً، أدى قرار سياسي اتخذه رئيس منتخب ومستشاروه إلى إحداث تحول في الهيكل المالي الدولي بين عشية وضحاها. مثل هذه التحولات الديمقراطية ممكنة الحدوث تماماً، وثمة حاجة ماسة الآن إلى إحداث تحول آخر.
* مديرة شبكة أبحاث السياسة في الاقتصاد الكلي ومؤلفة كتاب «الحجة لصالح الصفقة الخضراء الجديدة»
opinion@albayan.ae
