00
إكسبو 2020 دبي اليوم

سياسة «الاحتياطي الفيدرالي» والصراع القديم بين الجمهوري والديمقراطي

جيه. برادفورد ديلونج

بحلول عام 2010، قرر الاقتصاديون الجمهوريون وآخرون من غير الاقتصاديين أن أولويتهم الأولى تتمثل في ضمان أن يكون أوباما «رئيساً لفترة واحدة». فبدأوا يطالبون بالتطبيع السريع للسياسة النقدية ــ والذي كان ليؤدي حتماً إلى ارتفاع معدل البطالة ــ واعتبروا أي ازدهار ناجم عن التوسع النقدي مجرد مظهر صوري زائف.

لم يكن الازدهار صورياً، لكنه كان هزيلاً إلى الحد الذي سمح لهذه الحجة باكتساب قدر من الثِـقَـل. في ديسمبر من عام 2009، كانت نسبة تشغيل العمالة إلى السكان في الولايات المتحدة نحو %58.3، إلا أنها مع ذلك كانت أقل كثيراً من مستوى ما قبل الأزمة الذي بلغ %63.4 (في ديسمبر 2006). بعد ثلاث سنوات، في ديسمبر 2012، كانت النسبة %58.7 فقط؛ وعندما تنحى برنانكي عن منصبه في يناير 2014، لم تكن هذه النسبة سجلت أي ارتفاع.

ليس من المستغرب أن يشعر برنانكي بخيبة أمل مريرة إزاء التعافي الهزيل بعد عام 2008. في أواخر تسعينيات القرن العشرين، زعم برنانكي بصخب أن بنك اليابان يجب أن يفعل كل ما يلزم لإعادة الاقتصاد الياباني إلى مستوى التشغيل الكامل للعمالة. لكن الأمور بدت مختلفة من منظوره عندما ترك الأوساط الأكاديمية للعمل في البنك المركزي. ولم تبدأ نسبة تشغيل العمالة إلى السكان في الولايات المتحدة في الارتفاع بمعدل نقطة مئوية واحدة سنوياً (اللازم لجعل الاقتصاد على مسافة قريبة من التشغيل الكامل للعمالة) إلا بعد رحيله من الاحتياطي الفيدرالي. وصلت النسبة إلى هذا المستوى أثناء الولاية الوحيدة للرئيس الجمهوري دونالد ترامب، الذي عين جيروم باول في محل جانيت يلين، ثاني رئيس لبنك الاحتياطي الفيدرالي في عهد أوباما.

في عام 1987، أصدر الرئيس الجمهوري رونالد ريغان قراراً بتعيين ألان غرينسبان رئيساً لمجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خلفاً لبول فولكر. بعد ثماني سنوات، تأثر الرئيس الديمقراطي بِـل كلينتون باستعداد غرينسبان لاستخدام السياسة النقدية للتعويض عن ضغط النفقات المالية من جانب إدارته. ساعد هذا في منع النمو من التوقف في تسعينيات القرن العشرين، وقد فعل جرينسبان ذلك على الرغم من المعارضة الحزبية من جانب الجمهوريين الذين نددوا به بسبب السياسة النقدية المفرطة التساهل. في عام 1996، أعاد كلينتون تعيين جرينسبان لولاية ثالثة، ثم لولاية رابعة في عام 2000.

ولكن تبين أن رعاية جرينسبان لطفرة الإنترنت في التسعينيات كانت المرة الأخيرة التي تصرف فيها بشجاعة وحكمة ودون انحياز حزبي. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وضع الولاء الحزبي أولاً، مؤيداً التخفيضات الضريبية التي فرضها الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش في عام 2001 ثم في عام 2003، حتى برغم أنه اعتبرها بوضوح سياسة سيئة.

عندما حَـذَّر محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي إدوارد جرامليش من أن الرهن العقاري، والمشتقات، ومشتقات الرهن العقاري تستلزم قدراً أعظم كثيراً من التدقيق والتنظيم، رفض غرينسبان هذه الحجة. بصرف النظر عن أن فلسفة التحوط الكلي هذه كانت في تناقض مباشر مع تلك التي أعرب عنها سلفه الأسبق ويليام ماكيسني مارتن، الذي أوضح في عام 1955 أن وظيفة رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي تتلخص في رفع الكأس قبل أن يصبح الحفل أكثر صخباً مما ينبغي، حتى وإن كان من المرجح أن يحتج رواد الحفل.

عندما تقاعد غرينسبان في يناير 2006، خلفه بن برنانكي، الذي عيّنه بوش وأثار إعجاب الرئيس الديمقراطي باراك أوباما بفضل استعداده للعمل على أساس ثنائي الحزبية لدفع الحدود المتصورة للسياسة النقدية في مكافحة الركود العظيم. في عام 2009، أعاد أوباما عن استحقاق تعيين برنانكي، الذي تمسك بالخط الصحيح من خلال مواصلة سياسات التيسير الكمي على الرغم من صيحات الغضب من جانب الجمهوريين.

الآن يبدو أن الرئيس الديمقراطي جو بايدن على وشك إعادة تعيين باول لولاية أخرى مدتها أربع سنوات. لا أدري ما الذي قد يدفعه إلى هذا. الواقع أن وجهات نظر باول في ما يتصل بالتنظيم المالي وإدارة الاقتصاد الكلي لا تتماشى على الإطلاق مع شبه الإجماع من جانب الديمقراطيين. ورغم أنه أمضى السنوات الأربع الأخيرة في ملاحقة سياسات أسعار الفائدة والتيسير الكمي التي تتفق مع وجهة النظر الديمقراطية السائدة، فمن الأهمية بمكان أن نضع في الاعتبار عاملين رئيسيين وراء ذلك.

السبب الأول هو أن الحزب الجمهوري انقسم من الوسط، فأصبح محايداً بالتالي، بفعل الصراع المرير بين غرائز المال السهل في تمويل حملات المرشحين الفرادى المنتشرة بين الأعضاء البارزين في الحزب الجمهوري وغرائز المال السهل في تمويل حملات الحزب ككل عند ترامب، المطور العقاري، الذي من غير الممكن أن يكون المال في نظره رخيصاً. السبب الثاني هو أن محافظة الاحتياطي الفيدرالي لايل برينارد كانت مقنعة للغاية عندما زعمت أن سعر الفائدة المحايد الحالي لا يزال أقل من الصِـفر.

إذا كنت تتصور أن منظور المال الصعب الجمهوري المعتاد سياسة جيدة في هذه المرحلة من التعافي، فهذا حقك. ولكن إذا كنت لا تشعر بالتعاطف مع هذا الرأي، فينبغي لك أن تكون معارضاً بشدة لإعادة تعيين باول.

* نائب مساعد وزير الخزانة الأمريكي سابقاً، وأستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي

opinion@albayan.ae

طباعة Email