00
إكسبو 2020 دبي اليوم

العاصمة البرازيلية والتطوير العشوائي

كارلو راتي - مدير مختبر المدينة الحساسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو المؤسس المشارك للمكتب الدولي للتصميم والإبداع Carlo Ratti Associati

بينما تتنافس البلديات في مختلف أنحاء العالم اليوم لجعل شوارعها أكثر أماناً للمشاة وراكبي الدراجات، فإن المحركات الهادرة والإطارات الصاخبة في برازيليا تذكرنا بشكل صارخ بعدد المصممين الحضريين في القرن العشرين الذي تصوروا مستقبلاً يرتبط على نحو لا فكاك منه بالسيارة. والآن يجب أن نناضل للتغلب على الرؤى التي بسطوها.

في برازيليا تتجسد هذه الرؤية في حياة من غير الممكن أن تسير إلا عبر شرايين السيارات المنتشرة في المدينة. تقع المباني على مسافات متباعدة، وتتناثر على طول مشايات عريضة. يتسلى الناظرون بتحف نيماير المعمارية بأشكالها المنحنية. كتب نيماير: «هذه هي ذات المنحنيات التي نجدها في الجبال، وفي أمواج البحر، وفي جسد المرأة التي نعشقها».

قبل واحد وستين عاماً، ظهرت مدينة برازيليا في ظهير البرازيل. بنيت المدينة التي حلت محل ريو دي جانيرو كعاصمة للبلاد في منطقة غير مأهولة على سهل عشبي خلال الفترة من 1956 إلى 1960، بجهد مشترك بين المخطط الحضري لوسيو كوستا والمهندس المعماري أوسكار نيماير.

وبهيئتها المجنحة، أصبحت برازيليا رمزاً قوياً، لأنها مثلت تجسيداً نقياً للآمال، والفخامة والأبهة، والأصالة في فن العمارة في القرن العشرين. لكن الأمر لا يستغرق سوى بضع ساعات هنا لإدراك حقيقة مفادها أن هذه المدينة الفاضلة ــ أحد مواقع التراث العالمي في تصنيف منظمة اليونيسكو منذ عام 1987 ــ مبتلاة بالعديد من عيوب التخطيط الحضري.

تتمثل المشكلة الأكثر وضوحاً في سلسلة من اختيارات التصميم التي تعطي الامتياز والأولوية لسائقي السيارات.

إن غياب الهيئة الحضرية التقليدية يجعل البرازيل أكثر فقراً على المستوى الاجتماعي.

من أوجه القصور الأخرى التي تعيب مدينة برازيليا تقسيمها الوظيفي الجامد. يؤثر هذا على تخطيط المدينة بدرجة أكبر. خلال واحدة من زياراتي الأولى للمدينة، أبديت إعجابي بكاتدرائية نيماير، التي تشبه زهرة متفتحة بـمِـدَقّاتها الخرسانية عند ممشى Esplanada dos Ministérios، عندما ألقى مهندس محلي شاب ضمن وفدنا بملاحظة تنبئ بالكثير: «أتدري ما هو العيب الحقيقي الذي يشوب هذه المدينة؟ منطقة قهوة الإسبريسو بعيدة عن منطقة السكر».

كشفت هذه الدعابة عن أحد أوجه القصور الجوهرية التي تعيب تصميم مخطط كوستا الرئيسي ومبادئ التخطيط الحضري الحداثي في عموم الأمر: استراتيجية تقسيم المناطق الجازمة التي تخنق احتمالات النمو الحضري العضوي. في مدينة برازيليا، ربما تجد نفسك في حي أحادي الوظيفة، وربما يتألف بالكامل من فنادق باهتة ومُـضجرة.

ما يدعو إلى التفاؤل أن برازيليا ليست مدينة ضائعة. فكلما تعرف المرء بدرجة أكبر على سكانها، فهم كيف تتمكن الحياة دائماً، بمرور الوقت، من فرض نفسها. على سبيل المثال، ظهرت سلسلة من الفنادق (pousadas) ــ التي تديرها أُسَـر ــ في كل مكان، لتخرج السياح من مناطق الفنادق التقليدية في المدينة. تجلب مبادرات «الوخز بالإبر الحضرية» هذه لمسة من الفوضى المبهجة إلى تصميم مدينة برازيليا الحداثي الجامد.

هذا النمط من غَـلَـبة الحياة ــ أو على الأقل البقاء ــ في مواجهة أعباء مفروضة من القمة إلى القاعدة، يشكل موضوعاً مركزياً في تاريخ أمريكا اللاتينية، وخاصة بين السكان الأصليين الذين قاوموا حالة من النسيان الاجتماعي والثقافي منذ وصول الغزاة الأوروبيين قبل خمسة قرون.

يجب أن تكون إحدى أولويات المصممين الحضريين اليوم تسريع هذه الديناميكية.

أثناء مغادرتي مدينة برازيليا في آخر مرة قمت بزيارتها، تبادر إلى ذهني عبارة جاءت على لسان لو كوربوسييه، الذي يُـعَـد واحداً من أكثر المعماريين نفوذاً وتأثيراً في القرن العشرين. لكن في واحدة من مقابلاته الأخيرة، سأله أحد الصحافيين حول بعض مشاريعه التي فشلت في الاستجابة لعدد كبير من المطالب الاجتماعية، فجاءت إجابته كاشفة بقدر ما اتسمت برحابة الصدر. قال: «أتدري... إن الحياة دائماً على حق، والمخطئ هو المعماري».

 

طباعة Email