00
إكسبو 2020 دبي اليوم

نحو عدالة عالمية في حقول الصحة والأبحاث الطبية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

الواقع أن العالم مهيأ لإحراز تقدم تحويلي في الوقاية من الأمراض والسيطرة عليها خلال العقود المقبلة. كانت الاستجابة العالمية لجائحة «كوفيد 19»، مع نجاح العلماء في تطوير لقاحات متعددة فَـعّـالة وآمنة في أقل من عام، غير مسبوقة، وهي تؤكد على إمكانية بناء عصر جديد ومنصف للصحة العالمية.

لكن هذه الثورة يجب أن تشمل جميع الناس وتعود عليهم جميعاً بالفائدة، لا أن تنحرف على نحو غير متناسب نحو أولئك الذين وُلِـدوا بلون بشرة بعينها أو مكانة اجتماعية محددة. إن سد الفجوة العرقية الحالية في مجال البحث الطبي سيعود بالفائدة علينا جميعاً، وهذه الغاية الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

بعد إصابة الراحل آرثر آش بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، قال إن العبء الأثقل الذي كان لزاماً عليه أن يتحمله لم يكن المرض بل مولده كرجل أسود في أمريكا. إلى جانب الاضطرار إلى مواجهة العنصرية المنهجية، يعاني السود في الولايات المتحدة على نحو غير متناسب من المرض فضلاً عن قِـصَـر متوسط العمر المتوقع وحياة أقل صحة.

أثناء جائحة «كوفيد 19»، عانت مجتمعات الأمريكيين من أصل أفريقي والسكان الأصليين من معدلات بالغة الارتفاع من الإدخال إلى المستشفيات والوفاة، ويظل التردد بشأن اللقاحات بين بعض السود ــ بسبب تاريخ طويل من استغلالهم طبياً ــ يشكل تحدياً.

يُـعَـد سد هذه الفجوة العِـرقية شرطاً أساسياً لتحقيق حقبة جديدة ومنصفة في مجال الصحة العالمية.

ولكن اليوم، هناك عدد أقل كثيراً من الأبحاث السريرية التي تشمل المنحدرين من أصول أفريقية مقارنة بالسكان من ذوي البشرة البيضاء، وخصوصاً في علم الوراثة، وعلم المناعة، وما يرتبط بهما من تخصصات. وما لم نصلح هذا الاختلال الـعِـرقي، فسوف يظل السود ــ فضلاً عن مجموعات من السكان الأصليين، واللاتينيين، وغيرهم من أصحاب البشرة الملونة ــ متخلفين عن الركب.

على سبيل المثال، يشكل الأشخاص من ذوي الأصول الأوروبية %16 فقط من سكان العالم، لكنهم يمثلون ما يقرب من %80 من المشاركين في الدراسات الجينية. علاوة على ذلك، نجد أن أقل من %2 من الجينومات التي جرى تحليلها حتى يومنا هذا تعود لأفارقة، برغم أن الشتات الأفريقي يحتوي على أعظم قدر من التنوع الجيني. وعلى هذا ففي حين يتسابق العلماء للكشف عن أسرار حمضنا النووي، تظل المعرفة المكتسبة حتى الآن منحازة بشدة.

على نحو مماثل، تخضع معرفتنا بوظيفة المناعة البشرية للتشويه بفعل البيانات التي تفرط في تمثيل مجموعات سكانية بعينها، وبشكل أساسي أولئك المنحدرين من أصل أوروبي.

وهذا من شأنه أن يقودنا إلى الوقوع في الخطأ، مثل الاعتقاد الخاطئ الذي ساد بين الباحثين في السابق بأن التليف الكيسي، وهو خلل وراثي، ليس له وجود بين السكان الأفارقة. ركز التشخيص الجيني على المتحورات التي يمكن رصدها في السكان الأوروبيين ولم يلتفت إلى تلك التي تحدث بين الأفارقة.

قبل عشرين عاماً، أطلق اكتشاف تسلسل الجينوم البشري العنان لثورة في أبحاث الطب الحيوي. لكن التكنولوجيات في ذلك الوقت لم تكن متقدمة بالقدر الكافي لفك شفرة جهاز المناعة البشري المعقد للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها. واليوم، مع التقارب بين تقدم علوم الطب الحيوي وعلوم الذكاء الاصطناعي، أصبحنا نمتلك الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الغاية ــ وربما تغيير مستقبل الصحة العالمية.

ولكن يتعين علينا أن نعمل على ضمان استفادة الجميع من هذه الثورة، وليس فقط قِـلة متميزة محظوظة. ومن المؤسف أن التفاوت الـعِـرقي في أبحاث الطب الحيوي يظل يشكل عقبة كؤود تحول دون تحقيق هذه الرؤية.

في الولايات المتحدة، نجد أن تمثيل السود منقوص بشكل صارخ في التجارب السريرية، وهم يعانون من معدلات مرضية أعلى كثيراً مقارنة بالأمريكيين من ذوي البشرة البيضاء.

فالأطفال السود أكثر عُـرضة للوفاة في سن الرضاعة بنحو مرتين ونصف المرة مقارنة بالأطفال من ذوي البشرة البيضاء، في حين أن النساء من ذوات البشرة السوداء أكثر عُـرضة للوفاة أثناء الولادة بنحو مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالنساء من ذوات البشرة البيضاء.

والأمريكيون السود أكثر عُـرضة بنحو ثلاث مرات للوفاة بسبب مرض الربو مقارنة بالأمريكيين من ذوي البشرة البيضاء، ومتوسط العمر المتوقع بينهم أقصر بأكثر من أربع سنوات.

كما أن النتائج الصحية في مجتمعات الأمريكيين من أصل أفريقي أسوأ في ما يتصل بالسرطان، وأمراض القلب، وفيروس نقص المناعة البشرية، وهم أكثر عُـرضة للإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية، مثل الذئبة الحمامية الجهازية.

الواقع أن العديد من هذه النتائج الصحية يرتبط بالعنصرية الجهازية والفقر، والفوارق في الدخل، والتعليم، والإسكان، والتوظيف، والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية. لكن أبحاث الطب الحيوي المحدودة بين هذه المجموعات السكانية ــ مقترنة بالعوامل الاجتماعية التي تساهم في زيادة الفقر والمرض ــ تعيق التقدم وتعمل على تعزيز أوجه التفاوت الصحية بدلاً من التخفيف منها.

تتطلب معالجة التفاوت العِـرقي في مجال أبحاث الطب الحيوي نهجاً متعدد الجوانب، بدءاً من معالجة العنصرية البنيوية التي وُجِـدَت داخل النظام الطبي. ونظراً لاستغلال هذه المجتمعات في الأبحاث السريرية في السابق ــ من توسكيجي إلى هنرييتا لاكس ــ يعاني العديد من السكان من انعدام الثقة المبرر القائم منذ أمد بعيد في نظام البحث الطبي.

لمعالجة هذا الأمر، يتعين على المجتمع العلمي أن يستمر في توسيع نطاق تنوعه وشموله للباحثين وأيضاً المشاركين في الدراسات. وينطوي هذا على قدر أكبر كثيراً من المشاركة المجتمعية والتمكين، وبناء فهم واضح للمخاطر والفوائد المترتبة على نتائج البحوث التي تعود على الأفراد والمجتمعات.

ثانياً، نحن في احتياج إلى زيادة كبيرة في الموارد للإنفاق على الدراسات البحثية السريرية القائمة على المجموعات السكانية في علم الوراثة، وعلم المناعة، وما يرتبط بهما من تخصصات، بين الشتات الأفريقي، فضلاً عن المجتمعات من السكان الأصليين والمجتمعات اللاتينية.

من الممكن أن تأتي هذه الموارد من القطاعين الخاص والعام، بما في ذلك الشركات، والمؤسسات، والحكومة. وتُـعَـد الدعوة الأخيرة لمشروع ثلاثة ملايين جينوم أفريقي خطوة في الاتجاه الصحيح.

أخيراً، يتعين علينا أن نعكف على معالجة مخاوف مجتمعات السود ومشاركتها في أبحاث الطب الحيوي من خلال بناء تحالفات عادلة وشاملة من العلماء والمهنيين الطبيين (مع إعطاء اهتمام خاص لضم الأصوات السوداء)، والنشطاء الصحيين ودعاة الصحة، وأعضاء المجتمع. ومن الممكن أن تعمل هذه المجموعات كقناة ناقلة للناس لمشاركة مخاوفهم الطبية وصدمات الماضي.

كما يمكنها قيادة جهود تعليمية كبيرة على مستوى القاعدة الشعبية، على أساس التبادل المفتوح والثقة، لإقناع الأمريكيين من أصل أفريقي بالفوائد المترتبة على المشاركة في البحوث، مع السماح أيضاً للعاملين في مجال الرعاية الصحية بتبادل المعلومات وأفضل الممارسات.

* مصورة فنون جميلة ومؤلفة، وهي مديرة وقف آرثر آش لهزيمة مرض الإيدز.

** رئيس مشروع اللقاحات البشرية ومديره التنفيذي، وهو أستاذ علم الأوبئة المساعد في كلية تي. إتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد.

 

طباعة Email