00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المأزق الإيطالي وخيارات ماريو دراجي

تشير البيانات إلى أن رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي على حق. ذلك أن مأزق الديون الإيطالية لا ينبع من التراخي المالي بل من الافتقار إلى النمو.

ويبدو أن الأسواق مقتنعة حتى الآن؛ فقد تقلص الفارق في الفائدة بين السندات الإيطالية والألمانية لعشر سنوات إلى نحو 100 نقطة أساس من 150 نقطة أساس قبل اندلاع جائحة «كوفيد 19».

الوقت وحده كفيل بإنبائنا بما إذا كانت استراتيجية دراجي قادرة على الوفاء بوعودها. الحق أن سجل إيطاليا الاقتصادي الكئيب في الآونة الأخيرة لا يرجع جزئياً إلى الافتقار إلى الزخم وحسب.

فعند مستوى أعمق، تمتد جذوره إلى الاتجاهات الديموغرافية السلبية، والتحصيل التعليمي الهزيل، والازدواج الدائم بين مجموعة من المصدرين المبدعين من الطراز العالمي وعدد لا يُـحصى من الشركات الصغيرة المنخفضة الإنتاجية من الدرجة الثانية. سوف تعالج خطة دراجي بعض، ولكن ليس كل، هذه الإخفاقات. السؤال الأكبر هو ما إذا كانت كافية لزيادة الإنتاجية.

لكن نقطة ضعف دراجي الرئيسية سياسية في نهاية المطاف. فهو السبب الوحيد وراء عدم تسبب ائتلاف حاكم غير عملي حتى الآن في إلحاق الضرر بخطة التعافي من خلال الاقتتال السياسي. لكن الائتلاف قد يتفكك وينهار في أي لحظة.

إذا نجح دراجي، فإنه بذلك سيغير اتجاه الحوار الأوروبي، بحيث يُـنـظَـر إلى التضامن الودي مع الجيران، والمجازفات المالية، على أنها استثمارات جيدة.

ليس من المستغرب أن يحقق القادة الإيطاليون أقل القليل في ظل هذه الظروف. بحلول الوقت الذي اندلعت فيه أزمة (كوفيد 19)، كان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الألماني سجل نمواً بلغ %20 منذ تولت ميركل منصبها، في حين انخفض نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الإيطالي بنحو %4 خلال الفترة ذاتها.

على الرغم من أنه من غير الواضح إلى متى قد يبقى رئيس الوزراء الإيطالي الحالي (ورئيس البنك المركزي الأوروبي سابقاً) ماريو دراجي في منصبه، فإن الاحتمالات تشير إلى أنه لن يخالف التقاليد.

وفي روما، تشير التخمينات إلى أنه قد يترشح للرئاسة ــ المنصب الذي لا يخلو من نفوذ لكنه بلا سلطة ــ في عام 2022 أو عام 2023. ولكن كما توضح خطة التعافي الاقتصادي الطموحة التي أقرها دراجي، فإن قِـصَـر فترة ولايته المتوقع لا يمنعه من التحلي بالجرأة.

خلال الفترة من 2021 إلى 2026، من المنتظر أن تتلقى إيطاليا 69 مليار يورو (82 مليار دولار أمريكي)، أو ما يقرب من %4 من الناتج المحلي الإجمالي، في هيئة مِـنح من الاتحاد الأوروبي لتمويل الاستثمارات الخضراء، والرقمية، ومشاريع البنية الأساسية.

وهذا الرقم وحده أكبر كثيراً، كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، مما حصلت عليه البلدان الأوروبية (%2.6) بموجب خطة مارشال الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. لكن دراجي قرر مضاعفة القيمة بالجمع بين هذه المنحة وإعانات الدعم من قِـبَـل الاتحاد الأوروبي وقدرها 13 مليار يورو بالإضافة إلى 191.5 مليار يورو في هيئة قروض، أغلبها أيضاً من الاتحاد الأوروبي، وبهذا تبلغ قيمة البرنامج بالكامل 248 مليار يورو.

وسوف يخصص نحو %70 من هذا المبلغ لتمويل مشاريع جديدة. في المقابل ستتلقى إسبانيا أيضاً نحو 69 مليار يورو في هيئة منح من الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تخطط لإنفاق بنس واحد إضافي.

لأول وهلة، قد يبدو اختيار دراجي غريباً. الواقع أن قروض الاتحاد الأوروبي أرخص بشكل هامشي فقط من تكلفة اقتراض إيطاليا، فلماذا إذن تلتزم الحكومة مسبقاً بالاعتماد عليها بهذه الدرجة الهائلة؟ الإجابة هي أن دراجي يريد أن تغير إيطاليا مسارها، وعلى هذا فقد أعلن عن استراتيجية الصدمة والرعب التي تسعى إلى إنهاء حالة الركود في بلاده والتي دامت عقدين من الزمن.

من خلال التصرف بقوة، يأمل دراجي في تغيير التوقعات وبالتالي سلوك أصحاب الأعمال، والعمال، والمستهلكين. في عام 2012، اشتهر دراجي بتغيير مصير منطقة اليورو عندما قال إن البنك المركزي الأوروبي سيفعل «كل ما يلزم» للحفاظ على اليورو. وترقى الخطة الضخمة المتعددة السنوات إلى تعهد آخر بالقيام بـ«كل ما يلزم». والمقصود من هذا الإشارة إلى أن الحكومة عازمة على ضمان التعافي المستدام ووضع الاقتصاد على مسار النمو الدائم.

هذا يتناقض تماماً مع النهج المالي التقليدي الحذر السائد في الاتحاد الأوروبي، حيث تصرفت الحكومات على نحو متكرر كما لو أن الخطر الأكبر يتمثل في القيام بأكثر مما ينبغي وتهديد استقرار الاقتصاد الكلي. الواقع أن استراتيجية دراجي أقرب كثيراً إلى استراتيجية الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يرى بوضوح أيضاً أن الخطر الأعظم يتمثل في القيام بأقل مما ينبغي.

من المؤكد أن دراجي ليس القائد الأوروبي الأول الذي يفكر بهذه الطريقة في الآونة الأخيرة، لكنه أول من يتصرف وفقاً لذلك. وربما تطلب الأمر الاستعانة بمصداقيته كمصرفي مركزي لإقناع الاتحاد الأوروبي بجدارة نهجه.

مع ذلك، يظل تحقيق شروط النجاح أمراً بالغ الصعوبة. يتمثل الشرط الأول في أن تنفق الحكومة الإيطالية الأموال بكفاءة وليس بطريقة ملائمة سياسياً.

الشرط الثاني أن يكون الاستثمار مدعوماً بإصلاحات تكميلية. ويتلخص العامل الثالث الحاسم في إقناع الأسواق المالية بهذه الحزمة.

* كبير زملاء المركز البحثي الفكري «بروجل» في بروكسل، وكبير زملاء غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ويشغل كرسي توماسو بادوا شيوبا في معهد الجامعة الأوروبية.

 

طباعة Email