العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    خريطة طريق التعاطي مع أزمات عالمنا المتلاحقة

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    إن تغير المناخ سرعان ما أصبح عاملاً ملحوظاً في أداء الاقتصاد الكلي. وعلى الرغم من أننا نفتقر إلى مقاييس دقيقة للهشاشة الاقتصادية (أي المرونة في مواجهة الصدمات)، فمن غير المحتمل ألا نستنتج أن الاقتصاد العالمي، وخاصة بعض أجزائه الأضعف، أصبح أكثر هشاشة. إذ تواجه البلدان النامية منخفضة الدخل بالفعل تحديات كبيرة حينما يتعلق الأمر بالاتجاهات الديموغرافية، وتكييف نماذج النمو مع العصر الرقمي، وحل مشكلات الحوكمة المحلية. أضف إلى ذلك القيود المالية، والتقلبات والضغط المرتبط بالمناخ، والطابور الطويل الذي ينتظر اللقاحات، وكل هذه مقومات يمكن أن تحدث عاصفة حقيقية.

    وستستمر الكثير من هذه الأحداث في مستقبلنا القريب. ولكن ليس كلها. فعلى سبيل المثال، يبدو أن أسواق رأس المال تتكيف مع الواقع الجديد، كما أن حل مشكلة إمدادات اللقاحات العالمية ليس شديد التعقيد ولا باهظ التكلفة. كل ما هو مطلوب التركيز والالتزام متعدد الأطراف.

    وسيكون مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ كوب 26 الذي سينعقد في غلاسكو في نوفمبر حاسماً، بل سيكون أصعب من مؤتمرات تغير المناخ السابقة. والهدف هو تعزيز الالتزامات الوطنية لإزالة الكربون التي تم التعهد بها في باريس في كوب 21، بحيث يتوافق المجموع العالمي مع ميزانية الكربون التي تحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستوى ما قبل الصناعة.

    منذ ثلاثة أشهر، بدا الاقتصاد العالمي كأنه يسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق انتعاش قوي نسبياً. فقد زادت إمدادات لقاحات كوفيد 19 في البلدان المتقدمة، وهو ما عزز الآمال بانتقالها إلى البلدان النامية في النصف الثاني من عام 2021 وحتى عام 2022. وسجلت العديد من الاقتصادات أرقاماً مذهلة في النمو بفضل إعادة فتح القطاعات التي أغلقت بسبب الأوبئة. ورغم أن سلاسل التوريد المعلقة قد سببت نقصاً في المدخلات الرئيسة وأدت إلى ارتفاع أسعارها، إلا أنها كانت تعد مجرد مشكلات مؤقتة.

    ويبدو العالم مختلفاً جداً الآن. إذ ينتشر متحور دلتا بسرعة، بما في ذلك في البلدان المتقدمة وبين المجموعات التي كانت، حتى الآن، أقل عرضة للفيروس. إن أجزاء العالم غير المحصنة - معظمها من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والبلدان منخفضة الدخل - أصبحت الآن عرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى.

    وفضلاً عن ذلك، تعرف سلسلة توريد اللقاحات تراجعاً. والسبب الرئيس أن البلدان المتقدمة لديها عقود خيار لتشتري بموجبها أكثر مما تحتاجه من جرعات اللقاح (حتى بعد تقديم إفادات عن توسيع برامجها لتطعيم الشباب وإعطاء جرعات معززة). ويؤدي هذا إلى إطالة قائمة انتظار اللقاحات، ومن ثم تأخير وصول اللقاحات إلى كثير من بلدان العالم النامي.

    ويجب على العالم الغني أن يفرج عن «المخزون الزائد» ويتيح بيعه للبلدان الأخرى. ولن يكون برنامج تمويل مثل هذه المشتريات مكلفاً للغاية على مستوى العالم (في حدود 60 - 70 مليار دولار)، وسيحقق فوائد فورية وطويلة الأجل في ما يتعلق بالسيطرة على الفيروس، ومنع ظهور متحورات جديدة خطيرة.

    وهناك مشكلة أخرى وهي أن سلاسل التوريد العالمية تعرضت لاضطراب أشد مما كان يُعتقد في السابق. ومن الواضح الآن أن النقص الناتج - في العمالة وأشباه الموصلات (التي تستخدم في عدد لا يحصى من الصناعات) ومواد البناء، والحاويات، وقدرة الشحن - لن يتراجع في أي وقت قريب. وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن الآثار التضخمية منتشرة في جميع القطاعات والبلدان، ومن المرجح أن تكون بمقام رياح مستمرة تتجه عكس مسار الانتعاش والنمو.

    وإضافة إلى حالة عدم اليقين، لم تُفهم جيداً حتى الآن التحولات التي سَبَّبَها الوباء في سلاسل التوريد المحلية والعالمية، ومن المرجح أن تكون معالجتها مهمة صعبة. والواقع أن الاضطرابات الناتجة عن الوباء لها نطاق أوسع، ويبدو أن ما تمارسه من عبء على الاقتصاد أقوى من الذي مارسته الحرب التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين.

    ولكن أكثر التطورات التي فتحت أعيننا في الأشهر الثلاثة الماضية كانت الزيادة الهائلة في تواتر الطقس المتطرف وشدته ونطاقه العالمي: العواصف، والجفاف، وموجات الحر، وارتفاع متوسط درجات الحرارة، والحرائق، والفيضانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قدمت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تقريراً جديداً وُصف بصراحة بأنه يعلن «الرمز الأحمر للبشرية». ويشير الحكم الجماعي للمجتمع العلمي إلى أن التجربة القاسية التي مرت بها البشرية هذا العام ليست استثناءً؛ بل هي مناخ طبيعي جديد.

    ولذلك يمكننا أن نتوقع المزيد من الأحداث القاسية نفسها (وربما ما هو أسوأ منها بكثير) في العشرين إلى الثلاثين سنة المقبلة. إن فرص منع الأحداث التي شهدناها هذا الصيف منعدمة. ويتمثل التحدي الذي نواجهه بتسريع وتيرة الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لنتجنب في العقود المقبلة عواقب تغير المناخ الأكثر خطورة، والتي قد تشكل تهديداً للحياة.

    ونظراً للرياح الاقتصادية والمناخية المعاكسة التي تواجه العالم، والتي ستهب على مدى أفق زمني أطول، فإن النمو والتنمية في المستقبل في خطر. فبالإضافة إلى كون اضطرابات سلسلة التوريد عائقاً واضحاً أمام النمو، فقد تساهم اليوم في الضغوط التضخمية التي ستتطلب استجابة السياسة النقدية.

    وكذلك، سيعرقل الفيروس الذي يتحول ليصبح سمة شبه دائمة للحياة النمو والتخصص العالميين. وسيواصل التنقل العالمي نضاله من أجل التعافي. ورغم أن المنصات الرقمية يمكنها أن تعمل كبدائل جزئية، فإن عوائق التنقل ستضرب في النهاية جميع النظم البيئية الاقتصادية والمالية العالمية التي تدعم الابتكار.

    وفي الماضي، كانت الظواهر الجوية المتطرفة نادرة الحدوث ومحلية بحيث لا تؤثر أخطارها في توقعات الاقتصاد الكلي العالمي. ولكن النمط الجديد يبدو مختلفاً بالفعل. إذ من الصعب إيجاد منطقة ليست معرضة لأخطار عالية مرتبطة بالطقس. وتحذر ورقة حديثة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من أن تغير المناخ يمكن أن يزيد من تواتر الانكماشات الاقتصادية وشدتها، ما سيؤدي إلى تراجع في النمو. وبصرف النظر عن الموارد المخصصة لتعزيز الانتعاش، يجب أن ينعكس هذا الواقع الجديد في النهاية في أسعار الأصول والتأمين.

    وختاماً، نظراً لأن الأحداث المناخية المتطرفة ستحدث بصورة متكررة وعالمية - وستضرب بصورة عشوائية في أي مكان تقريباً - ستحتاج أنظمة التأمين الاجتماعي والخاص إلى ترقية كبيرة لتكتسب نطاقاً متعدد الجنسيات. وقد نحتاج إلى مؤسسة مالية دولية جديدة لتتولى هذا الأمر، وتعمل بصورة وثيقة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

    * حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، أستاذ فخري في جامعة ستانفورد، كبير زملاء معهد هوفر

    طباعة Email