العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العملات الرقمية لن تنهي هيمنة الدولار

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    صادف الثالث عشر إلى الخامس عشر من أغسطس الماضي، حلول الذكرى السنوية الخمسين لـ«نهاية الأسبوع التي غيَّرت العالَـم»، عندما عَـلَّـقَ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قابلية الدولار للتحويل إلى ذهب بسعر ثابت وأسدل الستار على نظام بريتون وودز النقدي الدولي.

    جلب نصف القرن اللاحق العديد من المفاجآت. من منظور نقدي، كانت واحدة من أعظم هذه المفاجآت استمرار هيمنة الدولار كأداة للمعاملات عبر الحدود.

    في ظل نظام بريتون وودز، كان تفوق الدولار قابلاً للتفسير بسهولة. كان موقف أمريكا المالي إبان خروجها من الحرب العالمية الثانية حصيناً. آنذاك، لم يكن من الممكن تصور التغيرات في السعر الذي يمكن عنده تحول الدولار إلى ذهب، أولاً بسبب هذه القوة المالية وبعد ذلك، مع ضعف موقف أمريكا النقدي، بسبب احتمال تسبب خفض قيمة العملة في خلق توقعات بخفض آخر.

    تصور كثيرون أنَّ هذه الخطوة التي قام بها نيكسون من شأنها أن تؤدي إلى تقليص الدور الدولي الذي يضطلع به الدولار. فمع تقلب العملة مثلها كمثل أي عملة أخرى، سيكون من الخطورة بمكان أن تضع البنوك والشركات والحكومات كل البيض في سلة الدولار. وبالتالي ستضطر إلى التنويع من خلال الاحتفاظ بمقادير أكبر من الاحتياطيات وإجراء المزيد من المعاملات بعملات أخرى.

    الآن، بات من الواضح لماذا لم يحدث ذلك. كان الدولار يتمتَّع بميزة الضرورة: فبسبب استخدام العملاء والموردين أيضاً للدولار أصبح من المتعذر الانتقال إلى البدائل. علاوة على ذلك، كانت البدائل ــ ولا تزال ــ غير جذابة.

    أمّا عن اليورو، فهناك نقص في السندات الحكومية الممتازة المقومة باليورو والتي يمكن للبنوك المركزية الاحتفاظ بها كاحتياطيات. وعلى هذا فإنَّ هذه السلطات عازفة عن السماح لأولئك الذين تتولى تنظيمهم بممارسة الأعمال التجارية باليورو، لأنها غير قادرة على إقراض الـعُـملة للبنوك والشركات التي تحتاج إلى قروض.

    وتعمل ضوابط رأس المال في الصين على تعقيد استخدام العملة الصينية (الرنمينبي) على المستوى الدولي، هذا فضلاً عن مخاوف مبررة من احتمال إقدام الرئيس الصيني شي جين بينج بشكل مفاجئ على تغيير قواعد الوصول. وتفتقر عملات الاقتصادات الأصغر إلى الحجم اللازم لتحريك مقادير ضخمة من المعاملات عبر الحدود.

    يقول بعض المراقبين إنَّ إصدار البنوك المركزية لعملات رقمية من شأنه أن يغيِّر الوضع الراهن. في هذا العالم الرقمي الجديد الشجاع، سيكون من السهل استخدام أي عملة وطنية في المدفوعات عبر الحدود كأي عملة أخرى. وهذا لن يُـفـضـي إلى تآكل هيمنة الدولار وحسب، وفقاً لهذه الحجة، بل ويؤدي أيضاً إلى تقليل تكاليف المعاملات بشكل كبير.

    الواقع أنَّ هذا الاستنتاج ليس صحيحاً بالضرورة. لنتخيل هنا أنَّ كوريا الجنوبية تصدر عملة رقمية مركزية «بالتجزئة» يستطيع الأفراد الاحتفاظ بها في محافظ رقمية واستخدامها في المعاملات. في هذه الحال، من الممكن أن يحصل مُـصَـدِّر للقهوة من كولومبيا إلى كوريا الجنوبية على المدفوعات المستحقة له بعملة كورية رقمية، بافتراض أنَّ غير المقيمين يُـسـمَـح لهم بطبيعة الحال بتنزيل محفظة كورية.

    لكن الـمُـصَـدِّر الكولومبي سيظلُّ في احتياج إلى شخص ما لتحويل العملة الكورية (الوون) إلى شيء أكثر فائدة. وإذا كان ذلك الشخص بنكاً مراسلاً له مكاتب أو حسابات في نيويورك، وإذا كان ذلك الشيء الأكثر فائدة هو الدولار، فإننا بهذا نعود إلى حيث بدأنا.

    بدلاً من ذلك، من الممكن أن يصدر البنكان المركزيان الكولومبي والكوري عملة مركزية رقمية «بالجملة».

    وكل منهما سيحول العملة الرقمية إلى البنوك التجارية المحلية التي ستودعها بدورها في حسابات العملاء. الآن، تنتهي الحال بالـمُـصَـدِّر الكولومبي إلى الحصول على رصيد دائن في بنك كوري جنوبي وليس في محفظة كورية جنوبية ــ على افتراض أنَّ غير المقيمين مسموح لهم هذه المرة بالحصول على مراسل لتحويل هذا الرصيد الرقمي إلى دولارات ثمَّ إلى بيزو من أجل الحصول على شيء يمكن استخدامه.

    قد تتغير قواعد اللعبة إذا كانت العملة الرقمية المركزية قابلة للاستخدام البيني. عند هذا، يطلب المدفوع لأمره الكوري الجنوبي من مصرفه إيصال إيداع مقوم بالوون، وبهذا يُـسَـدَّد مبلغاً مماثلاً بالعملة الرقمية المركزية في حساب الدافع. ثمَّ يتمُّ تحويل إيصال الإيداع إلى «مـمـر» دولي مخصص. حيث يمكن استبداله بإيصال إيداع بعملة البيزو بأفضل سعر يقدمه التجار المرخص لهم بالعمل هناك.

    أخيراً، يُـقَـيَّـد لحساب المدفوع لأمره الكولومبي مبلغ مقابل من البيزو الرقمي، وبهذا يُـسَـدَّد إيصال الإيداع. ثمَّ تستكمل الصفقة لحظيّاً بجزء ضئيل من التكلفة الحالية دون إشراك الدولار أو بنوك المراسلة في الأمر.

    من المؤسف أنَّ شروط القيام بمثل هذا العمل هائلة. إذ يتعيَّن على البنكين المركزيين الاتفاق على بنية موحدة لممرهما الرقمي وإدارة عملياته بشكل مشترك. وسيكون لزاماً على البنكين إصدار ترخيص وتنظيم عمل التجار الذين يحتفظون بمخزونات من العملات وإيصالات الإيداع لضمان عدم اختلاف سعر الصرف داخل الممر عن السعر خارجه.

    كما يجب أن يتفقا على من يوفر السيولة الطارئة، ومقابل أي ضمانات، في حالة حدوث خلل خطير في النظام.

    في عالَـم يضمُّ 200 عُـملة، تتطلب الترتيبات من هذا النوع إبرام 200 اتفاقية ثنائية معتمدة، ومن الواضح أنَّ هذا متعذر عمليّاً. إنَّ توافر ممرات لعدد كبير من البلدان، وإن كان من الممكن تصوره في بعض الأحيان، يتطلب وضع قواعد وترتيبات حاكمة أكثر تفصيلاً من تلك المعمول بها في منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي. ومن الواضح أنَّ هذا لن يحدث.

    الواقع أنَّ العملات الرقمية المركزية قادمة لا محالة. لكنها لن تغيِّر وجه المدفوعات الدولية. ولن تخلع الدولار عن عرشه.

    * أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وهو مؤلف العديد من الكتب، ومنها الكتاب المرتقب «في الدفاع عن الديون العامة».

     

    طباعة Email