العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    دونالد تاسك ومستقبل بولندا

    عاد إلى السياسة البولندية في يوليو الماضي رئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد تاسك، الذي شغل سابقاً منصب رئيس وزراء بولندا، في الفترة من 2007 إلى 2014.

    يتذكره كثيرون من الناخبين على أنه السياسي الذي رفع سن التقاعد في بولندا، وهي السياسة التي ألغاها حزب القانون والعدالة في عام 2017. الواقع أن حزب القانون والعدالة ألقى باللوم على تاسك في ما يتصل بكل خلل أو عِـلّـة في بولندا.

    من الاتهامات الأخرى المستغرقة في جنون الشك والموجهة ضد تاسك أنه تعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2010 لترتيب حادث سقوط الطائرة الذي أودى بحياة الرئيس ليخ كاتشينسكي، الشقيق التوأم المتطابق لزعيم حزب القانون والعدالة ياروسواف كاتشينسكي، وأنه في حقيقة الأمر ألماني تدعمه المستشارة أنغيلا ميركل.

    لكن تاسك برجماتي مخضرم. فهو يعترف بأنه ارتكب بعض الأخطاء الجسيمة أثناء فترة رئاسته لمجلس الوزراء. وهو الآن يعتقد أن الناس يجب أن يكونوا قادرين على الاختيار بين التقاعد المبكر أو الحصول على معاش أكبر بعد التقاعد في وقت لاحق. وهو أقل ليبرالية في التعامل مع الاقتصاد مقارنة بما كان عليه من قبل.

    حيث يعترف بأن الدولة يجب أن تكون أكثر نشاطاً في إعادة التوزيع. ومثله كمثل بقية الطبقة السياسية البولندية، يـقر تاسك بأن البرامج الاجتماعية السخية العديدة التي تقدمها حكومة حزب القانون والعدالة تحظى بشعبية كبيرة. والآن، لا عودة إلى النيوليبرالية التي هيمنت على بولندا بعد عام 1989، في عصر «العلاج بالصدمة» الذي أقره وزير المالية آنذاك ليزيك بالسيروفيتش.

    كان لعودة تاسك تأثير حماسي مثير، فعلى الفور، استعاد حزبه «المنبر المدني» الصدارة بين قوى المعارضة، حيث ارتفع دعمه من 16.9 إلى 27.3 في غضون شهر واحد. كما تغيرت الأجواء داخل الحزب، فقد استفاق ساسة الحزب الذين كانوا غارقين في سبات عميق.

    تتلخص استراتيجية تاسك في العمل كأب للمعارضة، وهو لا يتجنب المنازعات وحسب، بل يمتدح أيضاً قادة المعارضة الآخرين دون حدود. إنه ليس من ذلك النوع من الساسة الذين يريدون تقاسم السلطة، لكنه في الوقت الحالي يركز على إلحاق الهزيمة بحزب القانون والعدالة. يأتي هذا الهدف مع مخاطر مهنية كبيرة، فرغم أن كاتشينسكي يتمتع بميزة الموارد الضخمة (حيث يشرف على ميزانية الدولة، ووسائل الإعلام، والشركات المملوكة للدولة، والأموال الأوروبية)، إلا أن خسارة تاسك أمامه ستشكل له إحراجاً عظيماً.

    يتظاهر حزب القانون والعدالة بأنه يريد حماية السوق الإعلامية في بولندا من عمليات الاستحواذ من قِـبَـل دول أخرى، مثل روسيا أو الصين أو دول عربية. ولكن ما يُـكَـذِّب هذا الزعم أن مجلس البث الوطني الخاضع لسيطرة حزب القانون والعدالة كان حريصاً على تأخير تمديد رخصة البث لقناة TVN24 لمدة ثمانية عشر شهراً، بدافع النكاية. والآن لم يتبق أمام المحطة سوى أقل من 50 يوماً لتأمين التجديد.

    وعلى هذا فإن بولندا تزدري البلد الذي تعتمد عليه للحفاظ على أمنها القومي. ولا تزال بولندا في نزاع مع الاتحاد الأوروبي حول استقلال القضاء، مما يجعلها عُـرضة لقطع التمويل من قِـبَـل الاتحاد الأوروبي. في ظل غياب أغلبية برلمانية مستقرة، وفي مواجهة احتمال اندلاع موجة رابعة من الجائحة، يجد حزب القانون والعدالة ذاته على مسار تصادمي ليس فقط مع ناخبيه، بل وأيضاً مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

    مع ذلك، يظل لزاماً على تاسك أن يخترق سقف الدعم بنسبة %25 إلى %30 لتجاوز حزب القانون والعدالة في استطلاعات الرأي. وسوف تُـظــهِـر لنا الأشهر المقبلة إلى أي مدى أصبح قوياً، وإلى أي مدى بات كاتشينسكي ضعيفاً.

    *مؤسِّس حركة «كريتيكا بوليتيكانا»، ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو، وكبير زملاء المجلس الألماني للعلاقات الخارجية.

     

    طباعة Email